كأنك تراه: في حضرة الجمال والـمهابة النبوية
كتب / شعبان الأزهري
لم يكن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم مجرد مصلح غير مجرى التاريخ، أو قائد فذ صاغ من شتات القبائل أمة؛ بل كان—قبل كل شيء وبعد كل شيء—إنساناً كاملاً، تجسدت فيه آيات الجمال البشري في أبهى صورها، حتى إذا رأيته، هبت عليك نسائم السكينة، وإذا خالطته، ملك شغاف قلبك.
إن محاولة رسم صورة قلمية للنبي صلى الله عليه وسلم ليست ترفاً تعبيرياً، بل هي محاولة لإحياء الرؤية بالبصيرة، واستدعاء لملامح وسكنات حُفرت في ذاكرة التاريخ بأقلام محبيه الذين عاشروه، فرأوا فيه وجهاً لم يعرف الكذب، وعيناً لم تخن، ونفساً وسعت الناس بحلمها.
أول الإطلالة: هيبة تأخذ القلوب
حين يسألك أحدهم أن تصف وجه النبي صلى الله عليه وسلم، تتبادر إلى الذهن كلمات الصحابي الجليل هند بن أبي هالة وهو يصفه بدقة بليغة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخماً مـُفخماً، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر".
الوجه والملامح: لم يكن بالطويل الـمـُمَّطِ ولا بالقصير الـمـُتردِّد، بل كان ربعة من الرجال، يُهاب من بعيد، ويُعشق عن قرب. كان أزهر اللون (أبيض مـُشرباً بحمرة)، وجهه مـُستديراً كالشمس والقمر في صفائهما.
العينان والنظرة: كانت عيناه واسعتين، شديدتي السواد في بياض ناصع (أدعج العينين)، تحفهما أهداب طويلة تضفي على نظراته عمقاً ومهابة. إذا التفت، التفت معاً بكليته—في إشارة إلى الاحترام الكامل لـمـُحدثه—ولم يكن يسارق النظر أو ينظر بطرف عينه.
الابتسامة الـمـُشرقة: كان جلُّ ضحكه التبسم، فإذا تبسم أفترَّ عن مثل حب الغمام، وضاحكاً تشرق الدنيا في وجه من يراه، حتى قال جرير بن عبد الله: "ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي".
المشية والحركة: حيوية تسابق الريح
لم تكن مهابة النبي صلى الله عليه وسلم مهابة جمود أو استعلاء، بل كانت حركة تنبض بالحياة والوقار معاً.
"إذا مشى تقلعاً، ويمشي هـُوناً، ذريع المشية إذا مشى، كأنما ينحط من صبب".
هكذا وصفوا مشيته؛ كان يرفع رجليه من الأرض رفعاً قوياً، لا يجر خطاه كسلًا ولا يتبختر خيلاءً. كان يخطو خطوات واسعة سريعة، كأن الأرض تـُطوى له، مما يعكس همة وثابة ونفسية مـُقبلة على الحياة والعمل، لا تعرف الوهن.
الدفء الإنساني: كيف كان يُخالط الناس؟
إن الجمال الجسدي للنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل فعله في النفوس لولا ذلك الخُلق العظيم الذي أطره؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم نموذجاً بشرياً فريداً في التواضع والدفء الإنساني:
لين الجانب:
كان خافض الجناح لـمـُحدثه، لا يقطع على أحد حديثه، ويستمع للضعيف والصغير والمرأة بنفس الاهتمام الذي يستمع به لكبار قومه.
سلامة الصدر:
كان دائم البشر، سهل الخلق، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب في الأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح.
أثره فيمن حوله:
كان من يراه بديهة (أول مرة) يـُهابه لـِعظم شخصيته، ومن خالطه معرفة أحبه واقترب منه؛ فلم يكن مجرد قائد يـُطاع، بل كان أباً يـُفتدى بالأرواح.
البصيرة المـُبصرة
إننا اليوم، ونحن نقرأ هذه الأوصاف التي نقلها لنا الرواة بدقة مذهلة شملت حتى عدد الشعرات البيضاء في لحيته الشريفة، لا نقرأ نصاً تاريخياً جافاً، بل نستحضر روحاً حية.
أن تراه "كأنك تراه"، يعني أن تستشعر ذلك التوازن الـمـُعجز بين جلال النبوة وبساطة البشرية، كان جميلاً في مَخبره كما في مَظهره، فكان بحقٍّ رحمة مـُهداة ونوراً يستضيء به السائرون في دروب الحياة. صلى الله عليه وسلم ما تعاقب
الليل والنهار، وما تطلع مشتاقٌ لرؤياه.

تعليقات
إرسال تعليق