القائمة الرئيسية

الصفحات


 اَلْيَتِيمُ

                       بقلمي علي بدر سليمان

                           -الجزء السادس-


 عند العتبة، استقبلته زوجته ملك بترحيبها المعتاد: 

"أهلاً بك يا زوجي العزيز، ماذا حملت لنا معك اليوم من رزق؟".

في تلك الأثناء، كان نادر يتوارى خلف قامة عماد، يرتجف ذعراً كعصفور بلله المطر. 

أجابها عماد بنبرة هادئة: "حماكِ الله يا زوجتي، لقد جلبت بعض الخضراوات والفواكه".

 لكن عينَي ملك لم تخطئا ذلك الجسد الضئيل القابع في العتمة، فسألت بريبة: "ومن هذا الصغير الذي يتبعك كظلك الساكن؟". تنهد عماد وقال: "إنه نادر، ابن جارنا الراحل باسم، الذي خطفه الموت في حادث سير مفجع، ليرحل تاركاً خلفه فراغاً لا يرحم".

امتعضت ملامح ملك وسألته مستنكرة: "ولماذا جئت به إلى هنا؟". 

حاول عماد استمالة قلبها قائلاً: "أصغي إليّ يا ملك، هذا الطفل غدا يتيماً، لا أب يسانده ولا أم تضمه. إن رعاية هذا المسكين واجب أخلاقي وديني علينا، حتى يفتح الله له أبواب فرجه".

قاطعته ملك بحدة، وقد تملكتها الأنانية البشرية والخوف من الغد: "ماذا تقول؟! 

أجننت يا رجل؟ 

أتريد أن تتحمل وزر أطفال الآخرين، ونحن نكافح مشقة العيش لتأمين قوت أطفالنا ؟". 

رد عماد بقلب يعتصره الألم: "ويحكِ يا امرأة! 

وما عسانا أن نفعل؟ 

هل نلقي بنفحة إنسانية إلى قارعة الطريق؟

 أَنتركه للرصيف كما فعل أصحاب المكتب العقاري بلا رحمة؟".

أشاحت بوجهها وقالت بجفاء قاطع: "لا يهمني، تصرّف بمعرفتك! لن أسمح لغريب أن يقاسمنا لقمة عيشنا وسقف بيتنا". 

زجرها عماد ونبرة الإيمان تهز صوته: "اتقي الله يا امرأة! إنكِ بكلامكِ هذا تقنطين من رحمة الله وتجلبين غضبه، عودي إلى رشدكِ!".

في تلك اللحظات العاصفة، كان نادر يرتشف كلمات الرفض بمرارة؛ تسلل الخوف إلى روحه الصغيرة، وشعر أنه عبء ثقيل في عالم لا يتسع للضعفاء. 

وفي غفلة من نقاشهما الحاد، استدار بهدوء، وأطلق ساقيه للريح هائماً في المجهول، تاركاً خلفه بيتاً أغلق في وجهه باب الرحمة

تعليقات