الأزهر الشريف بين الفكر التحديثي والتقليد: قراءة في تاريخ إصلاح التعليم الأزهري
كتب/ شعبان الأزهري
عندما تقف أمام الجامع الأزهر في قلب القاهرة الفاطمية، لا تقف أمام مجرد بناء حجري عتيق، بل أمام مؤسسة جسّدت على مدى أكثر من ألف عام عقل الأمة الإسلامية وقلبها النابض ،غير أن هذا الصرح العظيم عاش، ولا يزال يعيش، صراعاً فكرياً ومؤسسياً فريداً من نوعه:
صراع التوفيق بين التقليد كضمانة للهوية والأصالة، والتحديث كضرورة ملحة لمواكبة العصر ومتطلباته.
لم يكن تاريخ إصلاح التعليم الأزهري مجرد محطات إدارية أو تعديلات في المناهج، بل كان مرآة تعكس أزمة النهضة العربية والإسلامية برمتها.
1- جذور البنية التقليدية: فلسفة التعليم الأزهري القديم
قبل دخول المدنية الحديثة إلى مصر، كان الأزهر يعتمد نظاماً تعليمياً فريداً يُعرف بنظام "الحلقات". لم تكن هناك سنوات دراسية محددة، ولا شهادات معيارية، ولا مناهج مفروضة من الأعلى.
الحلقة والكرسي: يجلس الشيخ إلى جوار عمود من أعمدة الجامع، ويلتف حوله الطلاب.
المتون والشروح: يقوم التعليم على دراسة "المتون" المكتوبة في القرون الوسطى، يتبعها دراسة "الشروح" والحواشي" والتقريرات".
الحرية الأكاديمية المطلقة: كان الطالب يختار شيخه، والمادة التي يدرسها، والوقت الذي يستغرقه للتمكن منها، وتُتوج هذه الرحلة بـ "الإجازة" التي يعطيها الشيخ لطالبه عندما يراه أهلاً للتدريس.
الجانب المشرق: أخرج هذا النظام عقولاً موسوعية وقدرة فذة على التحليل اللغوي والفقهي العميق. الجانب المظلم: مع جمود الحركة الفكرية في العهود العثمانية المتأخرة، تحول هذا النظام إلى الاقتصار على اجترار الحواشي، وغابت العلوم العقلية والتجريبية (كالرياضيات والتاريخ والجغرافيا) لصالح العلوم النقلية المحض.
2- صدمة الحداثة ومحاولات الإصلاح الأولى
مع حملة نابليون بونابرت على مصر (1798) وثورة محمد علي باشا لتأسيس الدولة الحديثة، وجد الأزهر نفسه أمام تحدٍّ وجودي، استورد محمد علي العلوم الحديثة وبنى مدارس نظامية جديدة (كطب المهندسخانة والطب) بعيداً عن الأزهر، مما خلق ثنائية تعليمية في المجتمع المصري: تعليم أزهري تقليدي، وتعليم مدني حديث.
الشيخ حسن العطار: البذرة الأولى
كان الشيخ حسن العطار (شيخ الأزهر 1830-1835) أول من أدرك خطورة هذه الفجوة. نبّه العطار إلى ضرورة فتح الأزهر على العلوم الحديثة، وكان هو العراب الذي أرسل تلميذه رفاعة الطهطاوي إلى باريس، ليقود بعد ذلك حركة الترجمة والنهضة.
محمد عبده: مشروع الإصلاح الهيكلي والفكر
في أواخر القرن التاسع عشر، بزغ نجم الإمام محمد عبده. لم ينظر عبده إلى الإصلاح كرفاهية، بل كضرورة لحماية الإسلام نفسه من العزلة. ملخص فلسفته الإصلاحية اعتمد على:
إعادة الاعتبار للعلوم العقلية: إدخال الفلسفة، المنطق، التاريخ، والرياضيات إلى أروقة الأزهر. التنظيم الإداري: إنشاء "مجلس إدارة الأزهر" عام 1895 لضبط المناهج، الامتحانات، والمكتبات. التوفيق بين العقل والنقل: تحرير الفكر الأزهري من التصلب المذهبي، والدعوة إلى العودة إلى المصادر الأولى (القرآن والسنة) بفهم عصري.
واجه محمد عبده مقاومة شرسة من الشيوخ المحافظين الذين رأوا في أدوات التحديث تهديداً لـ "صفاء العلوم الدينية" ومساساً بهيبة التراث.
3- محطات التطور التشريعي: من "القانون 1911" إلى "قانون 1961"
استمر التدافع بين تيار التجديد وتيار المحافظين طوال النصف الأول من القرن العشرين، وتجسد هذا الصراع في قوانين متتالية:
[قانون 1911] ──> إنشاء الكليات الثلاث (الشريعة، اللغة العربية، أصول الدين)
[قانون 1936] ──> تنظيم الدراسات العليا وإعادة هيكلة المرحلة الثانوية والإعدادية [قانون 1961] ──> النقطة الفاصلة: إدخال الكليات العملية (طب، هندسة، زراعة)
قانون رقم 103 لسنة 1961: التحول الكبير
في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، صدر القانون رقم 103 لسنة 1961 لتطوير الأزهر. كان هذا القانون هو الزلزال الأكبر في تاريخ المؤسسة:
إدماج العلوم الحديثة: تم إنشاء كليات الطب، الهندسة، العلوم، والتجارة داخل جامعة الأزهر.
الأزهري الشامل: كان الهدف تخريج "الطبيب المسلم" والمهندس المسلم" الذي يجمع بين التخصص العلمي الدقيق والفقه الديني الأساسي.
تغير التبعية: تم ربط الأزهر بالسلطة التنفيذية بشكل أكبر (من خلال تعيين شيخ الأزهر وإنشاء مجمع البحوث الإسلامية).
4- الإشكالية الفكرية: المعركة المستمرة بين الأصالة المعاصرة
رغم مرور عقود على هذه الإصلاحات، لا يزال السؤال الجوهري قائماً: هل نجح الأزهر في تحقيق التوفيق الخلاق بين التقليد والتحديث؟
التيار التقليدي (المحافظ)التيار التحديثي (المجدد) الرؤية: يرى أن قوة الأزهر تكمن في الحفاظ على "المعمار التراثي" وسلامة السند الفقهي واللغوي.
الرؤية: يرى أن الاقتصار على حفظ المتون القديمة يعزل الأزهر عن معالجة قضايا العصر (كالذكاء الاصطناعي، حقوق الإنسان، الاقتصاد الحديث).
المخاوف: الخوف من أن يؤدي التحديث المفرط إلى "ذوبان" الهوية الإسلامية وتفكيك المرجعية الفقهية.
المخاوف: الخوف من تحول الأزهر إلى "متحف فكري" يعيد إنتاج إجابات القرن الرابع الهجري لأسئلة القرن الحادي والعشرين.
التحديات المعاصرة التي تواجه الإصلاح الأزهري كثافة المناهج مقابل تعميق الفهم: أدى إقحام العلوم الحديثة جنباً إلى جنب مع العلوم التراثية المعقدة في مراحل التعليم الإعدادي والثانوي إلى عبء ثقيل على الطالب، مما نتج عنه أحياناً سطحية في التحصيل العلمي والديني معاً.
سؤال التجديد الديني: التحدي المتمثل في كيفية مراجعة التراث الفقهي ونقده بآليات علمية صلبة دون المساس بالثوابت والدعائم الإيمانية.
منافسة الفضاء الرقمي: لم يعد الأزهر المحتكر الوحيد للمعلومة الدينية؛ فقد فرضت وسائل التواصل الاجتماعي والمؤسسات الموازية منافسة شديدة على العقل المسلم الشاب.
نحو استئناف الحضارة
إن تاريخ إصلاح التعليم الأزهري ليس قصاصة مطوية من الماضي، بل هو ثورة مستمرة، لم تكن المعركة يوماً بين "إسلام" و"كفر"، ولا بين "تراث" و"حداثة" كمفهومين متضادين، بل كانت دائماً بحثاً عن الصيغة الذهبية التي تتيح للمسلم أن يتنفس هواء عصره دون أن يفقد جذوره الضاربة في عمق التاريخ.
سيظل الأزهر بحاجة ماسة إلى إصلاح لا يكتفي بترميم المباني أو دمج المقررات، بل يمتد إلى تحديث المنهجية الفكرية ذاتها — إصلاح يحيي روح الاجتهاد، ويستعيد عقلانية ابن رشد، ومقاصد الشاطبي، ليظل الأزهر كما كان دائماً: م
نارة للوسطية، وقبلة للعلم، وجسراً يربط بين نبل الماضي وآفاق المستقبل.

تعليقات
إرسال تعليق