زائر من السلف : حين أبكتنا نصيحة الراحلين ... الوطن اليوم ـ حصري
بقلم / شعبان الأزهري
كانت ليلة هادئة حين انشقّ جدار الزمن في زاوية ذلك المسجد العتيق بالقاهرة، ليخرج منه رجلٌ يرتدي ثوباً بسيطاً من القطن الأبيض، يعتمر عمامةً متواضعة، وفي عينيه بريقٌ يجمع بين الهيبة والسكينة،كان اسمه الشيخ عبد الرحمن، رجلٌ من خيار السلف الصالح، عاش في القرن الثاني الهجري، ووجد نفسه فجأة في قلب القرن الحادي والعشرين.
مشى بضع خطوات ليخرج إلى الشارع، فاستقبلته عاصفة من الأضواء الباهرة والأصوات الصاخبة، تراجع إلى الوراء مذهولاً، وجلس على مقعدٍ خشبي بجانب الطريق يحاول استيعاب ما تراه عيناه.
اقترب منه شابٌ يدعى "أحمد"، كان يرتدي ملابس عصرية ويمسك بهاتفه الذكي ، ظنّ أحمد أن الرجل ممثلٌ في عمل تاريخي، فتبسّم وقال: "السلام عليكم يا شيخنا، هل تائه أنت؟"
ردّ الشيخ عبد الرحمن بصوتٍ رخيم يملأه الوقار: "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يا بني، أين أنا؟ وما هذه السرج المضيئة بلا زيت؟ وما هذه العِشارُ والحديد الذي يجرّ بعضه بعضاً ويمشي كالسحاب؟"
أدرك أحمد من نبرة الرجل وجديته الدارسة (أي المنتهية ) أنه ليس ممثلاً ،أخذ يشرح له بتبسيط شديد: "يا سيدي، أنت في المستقبل، هذه سيارات تنقلنا، وهذه مصابيح تعمل بالكهرباء، وهذا الذي في يدي..." وفتح هاتفه ليُريه شاشته.
شاهد الشيخ عبد الرحمن الهاتف، فبكى خشوعاً وقال: "سبحان الله! علم الإنسان ما لم يعلم ، كنا نضرب أكباد الإبل شهوراً لنقل حديث أو رسالة، وأنتم تجمعون علوم الأرض في كفّ يد واحدة!"
أخذ أحمد الشيخ في جولة قصيرة بالسيارة، كان الشيخ ينظر من النافذة متأملاً، يرى الأبراج الشاهقة، والمحلات التجارية الممتلئة بالخيرات، والناس يهرعون في كل اتجاه. تفاجأ أحمد أن الشيخ لم ينبهر بالتكنولوجيا بقدر ما بدا عليه الحزن والشفقة.
توقفت السيارة عند إشارة المرور، فنظر الشيخ إلى المارة، ثم التفت إلى أحمد وقال كلماته الخالدة التي لخصت زيارته القصيرة:
"يا بني، لقد فتح الله عليكم الدنيا صبّاً صبّاً، وآتاكم من النعم ما لم يخطر على قلب بشر في زماننا. ولكنني أرى عجباً..."
ثم فصّل قوله قائلاً:
عن تشتت القلوب: "أرى الناس جسومهم متقاربة، ولكن قلوبهم شتى، كلٌّ ينظر في لوحه الصغير (الهاتف) ولا يلتفت لأخيه بجانبه، لقد سهّل الله لكم سبل التواصل، فقطعتم الأرحام!"
عن وفرة العلم وقلة العمل: "أريتني هذا الجهاز وقلت إن فيه المصاحف وكتب السنة كلها، واهاً لكم! كنا نحفظ الآية فنعمل بها قبل أن ننتقل لغيرها، وأنتم تملكون علم الأمة في جيوبكم، ولكن أين أثره في معاملاتكم وأخلاقكم في الأسواق؟"
عن الركض خلف الدنيا: "أرى وجوهاً متعبة، وأنفاساً لاهثة وراء رزقٍ قد ضُمِن لكم ، تبيتون في قلق من غدٍ، وكأنكم لم تقرؤوا: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}."
أذَن الفجر، فتهلل وجه الشيخ عبد الرحمن، ودخل مع أحمد إلى المسجد، صلى الشيخ وصوته يتهدج بالبكاء، وبعد انقضاء الصلاة، جلس يدعو طويلاً، ثم التفت إلى أحمد وتبسم تبسّماً رقيقاً وقال: "استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ، تذكر يا بني: النعمة إذا لم تُشكر، كانت استدراجاً،
استخدموا ما فتح الله عليكم لخدمة دينه ورفعة خلقه، ولا تجعلوا الدنيا في قلوبكم بل في أيديكم".
وعندما انحنى أحمد ليقبّل يده تطيّباً له، شعر بنسمة باردة تمرّ بوجنتيه، رفع رأسه، فلم يجد الشيخ، لقد عاد إلى زمانه، تاركاً خلفه عِطراً زكياً في أركان المسجد، وكلماتٍ هزّت قلب الشاب، وأعادت ترتيب أولوياته ف ليلة هادئة حين انشقّ جدار الزمن في زاوية ذلك المسجد العتيق في هذه الحياة الصاخبة.

تعليقات
إرسال تعليق