كتب / شعبان الأزهري
منذ أن أشرق نور القرآن الكريم في قلب الصحراء العربية قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، وهو يمثل حالة فريدة من البيان والتحدي. نزل هذا الكتاب على أمة بلغت ذروة الفصاحة والبلاغة، فكان إعجازه الأول بيانياّ لغوياً شلّ قدرة شعراء قريش ومصاقع خطبائها. لكن الأعجب في هذا النص، أنه كلما تطاولت القرون، وتقدمت العلوم، وانكشفت للمصادفة أسرار الكون عبر المجاهر والتلسكوبات، وجد الإنسان نفسه أمام ملمح جديد ومذهل: الإعجاز العلمي.
القرآن ليس كتاباً في الفيزياء، أو الفلك، أو الأجنة؛ هو كتاب هداية بالدرجة الأولى. ولكنه حين يتعرض للكون وخلقه، أو الإنسان وتكوينه، يأتي بعبارات دقيقة وحاسمة، تبدو كأنها صِيغت في مختبرات القرن الحادي والعشرين، لا في بيئة بدوية لم تكن تعرف من العلم إلا النزر اليسير. هذا التوافق المدهش بين "الوحي المستور" و"الكون المنظور" يمثل لغة إعجازية صامتة، ناطقة بالحق في آن واحد.
أولاً: نشأة الكون واتساعه.. من "الرتق" إلى "التوسع المستمر"
ظل التصور البشري للكون لقرون طويلة مبنياً على أنه أزلي وثابت لا يتغير، لكن في القرن العشرين، صدمت الفيزياء الحديثة العالم بنظرية "الانفجار العظيم" ، والتي أثبتت أن الكون بدأ من نقطة واحدة متناهية الصغر والكثافة، ثم انفتقت وانفجرت لتشكل الزمان والمكان والمادة.
هذا المفهوم المعقد لخصه القرآن الكريم قبل قرون في آية غاية في العبقرية اللغوية: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا".
الرتق: في اللغة هو الشيء المصمت الملتحم.
الفتق: هو الفصل والشق، أليس هذا وصفاً دقيقاً لعملية الانفجار أو الانفتاق الكوني الأول؟
ولم يقف الإعجاز الفلكي عند بداية الكون، بل امتد لآليته الحالية، فبعد أن كان يُعتقد أن الكون ساكن، أثبت العالم "إدوين هابل" عبر تلسكوبه أن المجرات تتباعد عن بعضها بسرعة هائلة، أي أن الكون يتسع باستمرار. نعود للمصحف فنقرأ صياغة قاطعة: "وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ". استخدام اسم الفاعل "موسعون" يدل على الاستمرارية والتجدد، وهو ما يتطابق تماماً مع أحدث فيزياء الفلك.
ثانياً: الرحم المظلم.. أطوار الجنين بدقة الميكروسكوب
في نطاق العلوم الطبية، يعتبر علم الأجنة من العلوم الحديثة نسبياً، نظراً لاعتماده الكامل على التقنيات البصرية والمجاهر المتقدمة لمتابعة ما يحدث داخل الرحم قبل ذلك، كانت التفسيرات الطبية (حتى عند الإغريق والرومان) مليئة بالخرافات حول كيفية تشكل الطفل.
لكن التدفق القرآني في سورة المؤمنون يطرح تسلسلاً زمنياً وبيولوجياً مذهلاً: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا".
حين عُرضت هذه الآيات على علماء أجنة معاصرين (مثل البروفيسور الشهير كيث مور)، دُهشوا من اختيار الألفاظ:
العلقة: وتعني في اللغة الشيء الذي يتعلق، أو دودة العلق التي تمتص الدماء. والعلم أثبت أن الجنين في أيامه الأولى ينغرس في جدار الرحم ويتغذى على دماء الأم، ويشبه شكل دودة العلق تماماً.
المضغة: وتعني الشيء الممضوغ الذي تظهر عليه آثار الأسنان. والجنين بعد طور العلقة تظهر عليه نتوءات تشبه تماماً طبعة الأسنان على قطعة "اللبان" الممضوغة، إن اختيار هذه الألفاظ للتعبير عن أشكال ميكروسكوبية لا تُرى بالعين المجردة، هو برهان ساطع على أن هذا الكلام يصدر من الخالق الخبير بالصنعة.
ثالثاً: البحار المتمازجة.. الحواجز المائية غير المرئية
من يركب البحر يرى مياهاً ممتدة لا أول لها ولا آخر، ويبدو له البحر ككتلة واحدة. لكن مع تطور علم المحيطات والبحار، واكتشاف الأقمار الصناعية ومحطات القياس، تبين للعلماء أن هناك "حواجز مائية" خفية تفصل بين البحار المختلفة (كالملتقى بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي)، حيث تختلف درجة الملوحة، والكثافة، ودرجة الحرارة، وحياة الكائنات البحرية بين البحرين، ولا يطغى أحدهما على الآخر بل يمتزجان ببطء شديد عبر هذا البرزخ.
هذه الحقيقة الفيزيائية المائية المعقدة صاغها القرآن في قوله -تعالى : "مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لّا يَبْغِيَانِ". كيف لرجُل عاش في بيئة صحراوية، لم يركب بحراً قط، ولم يمتلك أدوات لقياس كثافة الماء وملوحته، أن يتحدث عن "برزخ" (حاجز) غير مرئي يمنع بغي بحر على آخر؟
رابعاً: الضوابط المنهجية لفهم الإعجاز العلمي
لكي نكون منصفين وعلميين بأسلوب بشري رصين، يجب أن نؤكد أن القرآن ليس كتاباً علمياً تقنياً، والهدف من هذه الآيات ليس سبق المختبرات، بل لفت انتباه الإنسان لعظمة الخالق. وهناك ضابطان أساسيان يجب مراعاتهما:
عدم لَيّ عنق النصوص: لا ينبغي للمؤمن أن يتسرع بربط كل نظرية علمية عابرة (قد تتغير غداً) بآية قرآنية، فالقرآن حق مطلق وثابت، والنظريات العلمية نسبية وقابلة للتعديل.
اعتماد الحقائق لا الفرضيات: التوافق الإعجازي يُبنى على الحقائق العلمية الثابتة التي قطعت الشك باليقين، فهنا فقط يلتقي الصدق الإلهي باليقين التجريبي البشري.
إن لغة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم هي بمثابة "رسائل مشفرة" وضعها الله في كتابه، وتكفّل الزمن بفك شفراتها ليقرأها إنسان العصر الحديث بلغته التي يفهمها؛ لغة العلم والمختبر. إنها لغة حوار راقية تخاطب العقل المعاصر المتشكك، لتقول له باختصار: إن هذا الكتاب الذي بين يديك، والذي توافقت حروفه مع أسرار المجرات وأعماق الأرحام والبحار، لا يمكن أن يكون نتاج بشر. إنه فيض من علم من يعلم السر في السموات والأرض، وصدق الله العظيم إذ يقول: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ".

تعليقات
إرسال تعليق