بقلم : محمد خضر
لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من مبانٍ شاهقة أو إمكانات ضخمة فحسب، بل تُقاس أولًا بقدرة القانون على أن يكون سيد الموقف، لا استثناءً يُطبَّق على البعض ويُستثنى منه آخرون. فحين ينتصر القانون على الواسطة، يشعر المواطن أن العدالة ليست شعارًا، بل واقعًا يعيشه الجميع.
لقد كانت الواسطة، وما زالت، من أخطر الآفات التي تهدد مبدأ تكافؤ الفرص. فهي لا تسرق حق فرد واحد فقط، بل تهدم ثقة مجتمع كامل في العدالة. عندما يحصل شخص على ما لا يستحق لمجرد نفوذ أو معرفة، فإن هناك مستحقًا حقيقيًا خسر فرصته دون ذنب، وتلك خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل بما تتركه من إحباط وفقدان للأمل.
إن المجتمعات التي تتقدم لا تُدار بالعلاقات الشخصية، وإنما بالكفاءة والاستحقاق. فالمؤسسات القوية لا تسأل: "من تعرف؟" بل تسأل: "ماذا تستطيع أن تقدم؟" وعندما يصبح معيار الاختيار هو النزاهة والكفاءة، تتحول الوظائف إلى مسؤولية، والمناصب إلى تكليف، والنجاح إلى ثمرة طبيعية للاجتهاد.
ولا يعني ذلك أن العلاقات الإنسانية أو حسن التواصل أمر مرفوض، لكن الخط الفاصل واضح؛ فالعلاقة التي تُضيّع حقًا أو تمنح امتيازًا لا يستحقه صاحبه تتحول من مجاملة إلى ظلم، ومن مساعدة إلى اعتداء على مبدأ المساواة.
إن سيادة القانون تمنح الإنسان شعورًا بالأمان، لأنه يدرك أن حقوقه لا تعتمد على اسم عائلته، أو حجم نفوذه، أو عدد معارفه، بل على ما يكفله له القانون. وعندما يطمئن المواطن إلى أن العدالة تُطبق على الجميع، تزداد ثقته في مؤسسات الدولة، ويزداد انتماؤه إليها.
وما أحوجنا اليوم إلى ترسيخ ثقافة احترام القانون، ليس خوفًا من العقوبة، بل إيمانًا بأن العدالة هي الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان. فالقانون لا يكتمل بوجود النصوص وحدها، وإنما يكتمل عندما يقتنع الجميع بأن لا أحد فوقه، ولا أحد دونه.
وفي النهاية، يبقى انتصار القانون على الواسطة انتصارًا للمجتمع بأكمله، لأنه يفتح الأبواب أمام أصحاب الكفاءة، ويحفظ الحقوق، ويمنح كل مجتهد الأمل بأن تعبه لن يضيع. فالدول العادلة لا تُبنى بالمجاملات، وإنما تُبنى حين يكون القانون هو المرجع الوحيد، والعدالة هي اللغة التي يفهمها الجميع، دون استثناء.

تعليقات
إرسال تعليق