كتب / شعبان الأزهري
يعيش إنسان العصر الحديث في مفارقة غريبة؛ فبقدر ما اتسعت سبل رفاهيته المادية، وتطورت وسائل راحته وتواصله، بقدر ما تآكلت طمأنينته الداخلية. نحن نعيش في زمن "الوفرة المقلقة" و"السرعة اللاهثة"، حيث تحاصرنا الشاشات، وتتجاذبنا الالتزامات، وتلاحقنا الهواتف بنشرات الأخبار العاجلة والإشعارات التي لا تتوقف. هذا الضجيج الخارجي المستمر سرعان ما يتحول إلى ضجيج داخلي أشد قسوة، يظهر على شكل قلق مزمن، واغتراب نفسي، وشعور مبهم بالفقد رغم امتلاك كل شيء.
في وسط هذه الدوامة المعاصرة، تبدو النفس البشرية كعصفور يواجه عاصفة عاتية، يبحث يائساً عن غصن ساكن يأوي إليه. وهنا تحديداً، يبرز "الذكر الحكيم" ليس مجرد نص ديني يُتلى تبركاً، بل كطوق نجاة حقيقي، وملاذ وجودي يملك وحده القدرة على منح الروح ذلك السكون الذي عجزت عن توفيره كل وسائل الرفاهية المادية.
فكيف يصنع القرآن الكريم هذه الطمأنينة في قلب الإنسان المعاصر؟ وكيف يعيد ضبط إيقاع الروح المضطربة؟
أولاً: كسر الدوران في "ساقية الدنيا"
إن جذور القلق المعاصر تكمن في الاستغراق التام في تفاصيل الحياة اليومية، والخوف الدائم من المستقبل (الرزق، الوظيفة، الصحة، الأبناء). هذا الخوف يجعل الإنسان يدور في "ساقية" لا تنتهي من التفكير والجهد، متوهماً أنه المسؤول وحده عن تدبير كل شيء.
حين يفتح هذا الإنسان المعاصر مصحفه، أو يستمع إلى تلاوة خاشعة، يحدث أمر أشبه بـ "الفرملة المفاجئة" لهذا الركض المجنون. القرآن يعيد صياغة المشهد بأسره؛ يذكره في آية مثل: "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ"، وفي لفتة أخرى: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ".
هذه الكلمات لا تخاطب العقل كمعادلة جافة، بل تتنزل على القلب كبلسم بارد. إنها تنقل العبء الثقيل عن كاهل العبد الضعيف لتضعه في مكانها الصحيح: عند الرب القدير الحكيم. في هذه اللحظة، يتنفس الإنسان الصعداء، ويسكن روعه، لأنه أدرك أن أزمته مؤقتة، وأن أمره بيد رحيمة تدبر الكون من فوق سبع سموات.
ثانياً: إعادة تعريف القيمة والأولويات
من مآسي العصر الحالي أن قيمتنا كبشر أصبحت تُقاس بما "نملك" لا بما "نكون"؛ بنوع السيارة، بمساحة البيت، أو بعدد المتابعين على منصات التواصل. هذا المقياس المادي المشوه يضع الجميع في حالة سباق محموم ومقارنات مستمرة لا تورث إلا الحسرة وضيق الصدر.
هنا يتدخل الذكر الحكيم ليغير هذه القواعد الوضعية الظالمة. يقرأ المؤمن قول الله تعالى: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا"، أو يستمع إلى قوله: "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ".
هذه الآيات تفكك الهالة الزائفة التي تحيط بالماديات. تعيد للمؤمن توازنه النفسي؛ فما دام معيار النجاح الحقيقي والرفعة عند الله متاحاً للجميع عبر التقوى والعمل الصالح، فلا داعي إذن للاحتراق في سباق المظاهر. هذا الإدراك يمنح النفس سلاماً داخلياً عميقاً، ويحررها من عبودية نظرة الآخرين وتقييماتهم.
ثالثاً: جدار الحماية ضد الصدمات
الحياة بطبيعتها دار كبد وابتلاء، لكن الإنسان المعاصر، لفرط رفاهيته، أصبح أقل قدرة على تحمل الصدمات وفقدان النعم. حين تقع المصيبة (موت قريب، خسارة مالية، مرض)، ينهار الكثيرون لأنهم يفتقدون إلى "المظلة الإيمانية" التي تفسر لهم معنى الألم.
القرآن الكريم يبني حول النفس جدار حماية نفسياً لا يتزعزع، عبر ترسيخ عقيدة القدر والرضا. حين يتردد في جنبات الروح قوله تعالى: "مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ"، يحدث تحول بنيوي في استقبال الفاجعة.
الذكر الحكيم يعلمنا أن الألم ليس عبثاً، وأن وراء كل محنة حكمة خفية، وأن العوض عند الله أعظم. هذا الإيمان يحول الحزن الصاخب والجزع المدمر إلى "حزن ساكن" يفيض بالدمع الفطري لكنه يلتف برداء: "الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون". هذه الروح الراضية هي أقصى درجات الطمأنينة البشرية.
رابعاً: الذكر كعلاج فيزيولوجي وروحي
لا يمكن أن نتحدث عن سكون الروح دون الإشارة إلى تلك العلاقة العجيبة التي نصت عليها الآية المحكمة: "أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ".
إن لترتيل القرآن والإنصات إليه أثراً مباشراً يتجاوز حتى الفهم العقلي في كثير من الأحيان. صوت الآيات، وإيقاع الحروف القرآنية، والمدود والوقفات، تصنع هالة من السكينة تحاصر الجسد والروح معاً. يهدأ نبض القلب المتسارع، وترتخي الأعصاب المشدودة، وينقشع ضباب الأفكار السوداوية. إنه نوع من "الديتوكس" أو التطهير الروحي الذي يغسل أدران الضغوط اليومية، ويعيد النفس إلى فطرتها الأولى؛ طاهرة، نقية، وهادئة.
إن طمأنينة النفس في هذا العصر الصاخب ليست ترفاً، بل هي ضرورة للبقاء على قيد الإنسانية. والقرآن الكريم ليس كتاباً يُقرأ لمجرد حصد الحسنات في الآخرة فحسب، بل هو "كتالوج التشغيل" الأصلي لهذا الكائن المعقد المسمى بالإنسان.
كلما أحسست بأن أمواج الحياة المعاصرة تكاد تبتلعك، وبأن عقلك لم يعد يحتمل هذا التشتت، اترك هاتفك جانباً، وأغلق نوافذ الضجيج، وافتح مصحفك. اقرأ بتؤدة، واستمع بقلب حاضر، واترك للذكر الحكيم مهمة إعادة ترتيب فوضاك. هناك فقط، عند عتبات الحرف القرآني، ستجد ما تبحث عنه.. ستجد سكون الروح.

تعليقات
إرسال تعليق