القائمة الرئيسية

الصفحات

 


بقلم: محمد خضر


لم يعد الإعلام في عصرنا الحديث مجرد وسيلة لنقل الأخبار أو عرض الأحداث، بل تحول إلى قوة مؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي وصناعة اتجاهات الرأي العام، خاصة مع الطفرة الهائلة في الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي التي غيرت قواعد اللعبة الإعلامية بالكامل.


ففي السابق كانت المؤسسات الإعلامية التقليدية تمتلك قدراً كبيراً من السيطرة على تدفق المعلومات، أما اليوم فقد أصبح كل فرد يمتلك القدرة على إنتاج المحتوى ونشره والتأثير في الآخرين، مما خلق بيئة إعلامية مفتوحة وسريعة التفاعل، لكنها في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا وتشابكًا.


إن الإعلام الرقمي لا ينقل الواقع فقط، بل يشارك في صناعته أحيانًا. فاختيار زاوية العرض، وطريقة صياغة المحتوى، وسرعة النشر، كلها عناصر تساهم في تشكيل الصورة الذهنية لدى الجمهور، بل وتؤثر في اتجاهاته ومواقفه تجاه القضايا المختلفة.


ومن أخطر ما يميز الإعلام الرقمي هو سرعة انتشار المعلومة، سواء كانت صحيحة أو مضللة. فالمحتوى يمكن أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق معدودة، وهو ما يجعل من الصعب أحيانًا السيطرة على تدفق المعلومات أو تصحيحها بعد انتشارها. وهنا تظهر أهمية الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وقدرته على التمييز بين الحقيقة والشائعة.


كما أن خوارزميات المنصات الرقمية تلعب دورًا غير مباشر في تشكيل الرأي العام، من خلال ما تعرضه للمستخدم من محتوى يتوافق مع اهتماماته وتفضيلاته، مما قد يؤدي إلى خلق "فقاعات معلوماتية" تجعل الفرد يرى جانبًا واحدًا من الحقيقة دون غيره، وهو ما يحد من تنوع الرؤى ويؤثر على جودة النقاش العام.


وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الإعلام الرقمي قد أتاح فرصًا غير مسبوقة للديمقراطية الإعلامية، حيث أصبح بإمكان الأفراد التعبير عن آرائهم بحرية، والمشاركة في النقاشات العامة، وكشف العديد من القضايا التي ربما لم تكن لتصل إلى الجمهور في ظل الإعلام التقليدي.


لكن هذه الحرية تأتي مصحوبة بمسؤولية كبيرة، سواء على صناع المحتوى أو المتلقين. فالمحتوى غير المدقق أو الموجه قد يؤدي إلى تضليل الرأي العام أو إثارة البلبلة، بينما الاستخدام الواعي للإعلام الرقمي يمكن أن يسهم في رفع مستوى الوعي وتعزيز الثقافة المجتمعية.


إن صناعة الرأي العام اليوم لم تعد مقتصرة على المؤسسات الإعلامية فقط، بل أصبحت عملية تشاركية معقدة تشمل الإعلاميين، والمؤثرين، والجمهور نفسه. وهذا ما يجعل الحاجة إلى أخلاقيات الإعلام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، لضمان أن تظل الحقيقة هي الأساس، وأن يبقى التأثير في إطار المسؤولية لا التضليل.


وفي النهاية، يبقى الإعلام الرقمي سلاحًا ذا حدين؛ فهو قادر على بناء وعي مجتمعي قوي إذا استُخدم بشكل مهني ومسؤول، كما يمكن أن يتحول إلى أداة فوضى معلوماتية إذا غابت عنه الدقة والمصداقية. وبين هذا وذاك، يظل الرهان الحقيقي على وعي الإنسان وقدرته على التمييز، وعلى إعلام يدرك أن صناعة الرأي العام ليست مجرد تأثير لحظي، بل مسؤولية تمتد آثارها إلى مستقبل المجتمعات بأكملها.

تعليقات