كتب / شعبان الأزهري
حين نطالع النظريات الاجتماعية والسياسية المعاصرة التي تُنظّر لمفهوم "العدالة الاجتماعية"، نجدها في الغالب تنطلق من صراع الطبقات، أو القوانين الصارمة التي تفرضها الدولة من أعلى لأسفل. لكن، حين نتأمل القرآن الكريم، نجد نسقاً مغايراً تماماً؛ فالقرآن لا يطرح العدالة كقوانين جافة فحسب، بل يغرسها كقيمة وجدانية حية من خلال "القصة القرآنية"، التي تحرك القلوب قبل العقول، وتحوّل التكافل من مجرد "واجب قانوني" إلى "نزوع إنساني" تفيض به النفس رحمةً وتراحماً.
القصة في القرآن ليست للتسلية التاريخية، بل هي مرآة للواقع الإنساني، ومن خلال تفكيك بعض المشاهد القصصية، تتجلى لنا ملامح عبقرية في التأسيس للعدالة والتكافل.
شهامة موسى.. التكافل العفوي بلا مقابل
في سورة القصص، نلتقي بمشهد يختصر معنى "المروءة الاجتماعية" قبل أن تتحول إلى تشريعات مدونة. إنه مشهد موسى عليه السلام عندما وصل إلى ماء مدين.
وجد هناك أمة من الناس يسقون، ووجد من دونهم امرأتين تذودان (تمنعان غنمهما عن الماء انتظاراً لذهاب الرجال).
هنا لم يقف موسى موقف المتفرج، ولم يقل "ما لي ولهن؟"، بل تحركت فيه غريزة العدالة والرحمة. سألهما: "ما خطبكما؟"، فلما عرف العذر (ضعف المرأة وعجز الأب الشيخ)، "سقى لهما ثم تولى إلى الظل".
هذا المشهد يقدم ملمحاً باهراً للعدالة الاجتماعية:
نصرة الضعيف دون طلب: فالمرأتان لم تطلبا المساعدة، لكن المشهد استدعى التدخل لحفظ توازن المجتمع ومساعدة الفئات الهشة (المرأة وكبار السن).
العطاء بلا ثمن: سقى لهما وتولى مباشرة إلى الظل، دون انتظار شكر أو مكافأة، مما يؤصل لفكرة أن التكافل ينبغي أن يكون لوجه الحق والخير، لا لابتزاز المحتاجين.
قصة أصحاب الجنة.. عاقبة احتكار الثروة ومحاربة المسكين
وفي سورة القلم، يعرض لنا القرآن نموذجاً صارخاً لما يحدث حين تغيب العدالة الاجتماعية وتطغى الأنانية الرأسمالية. إنها قصة "أصحاب الجنة" (أصحاب البستان).
كان والدهم صالحاً يطعم المساكين من ثمار بستانه، فلما مات، قرر الأبناء قطع هذا الحبل التكافلي: "أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ". تحركوا في الصباح الباكر خفية ليحرموا الفقراء من حقهم الذي شرعه الله لهم.
النتيجة كانت حاسمة وسريعة؛ طاف عليها طائف من ربك فصارت كالصريم (سوداء محترقة).
القصة هنا تضع إصبعاً على جرح اجتماعي غائر:
حق الفقير ليس منّة: القرآن يبيّن أن منع حق المساكين هو تدمير للمجتمع وللمال نفسه.
المسؤولية التضامنية: إن حرمان الطبقات الساحقة من العيش الكريم يولد الأحقاد ويفسد البركة، والعدالة الاجتماعية ليست نافلة، بل هي صمام أمان يحمي الأغنياء قبل الفقراء.
يوسف الصديق.. التخطيط الاقتصادي لإنقاذ المجتمع
إذا انتقلنا إلى سورة يوسف، سنجد نموذجاً متكاملاً للعدالة الاجتماعية في وقت الأزمات والكوارث (سنوات القحط).
حين تولى يوسف خزائن الأرض، لم يمارس سياسة تقشفية تظلم الفقراء لحساب النخبة، بل وضع خطة "تكافلية" صارمة قائمة على التدبير والرحمة.
توزيع الثروة بالعدل: كان يوسف عليه السلام يشرف بنفسه على كيل المير (الطعام) للناس، لضمان ألا يستأثر أحد بلقمة العيش على حساب الآخر.
الأمن الغذائي للجميع: تجاوزت عدالة يوسف التكافلية حدود مصر لتشمل الممالك المجاورة (ومنها إخوته الذين جاؤوا يمتارون)، مؤصلاً لمفهوم "التراحم الإنساني العابر للحدود" في الأزمات.
فلسفة التراحم في القصة القرآنية
الناظر في هذه القصص يكتشف أن القرآن يربط دائماً بين العدالة والتراحم. العدالة في القوانين الوضعية قد تكون صارمة وصافة، لكنها قد تخلو من الروح. أما في القرآن، فإن التكافل ينبع من عين "الرحمة".
الله سبحانه وتعالى لا يريد مجتمعاً يطبق القانون خوفاً من السجن، بل يريد مجتمعاً يرق فيه القوي للضعيف، ويسند فيه الغني الفقير، لأن الجميع عباد لإله واحد، ولأن المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه.
إن إعادة قراءة القصص القرآني بعين "اجتماعية" تكشف لنا أن الإسلام قدم "شبكة أمان اجتماعي" فريدة، قبل أن تعرف البشرية صناديق الضمان الاجتماعي بقرون طويلة. شبكة خيوطها المروءة، وقوامها التقوى، وهدفها ألا يكون المال "دولة بين الأغنياء منكم"

تعليقات
إرسال تعليق