كتب/ شعبان الأزهري
في عصر أصبحت فيه الخصوصية عملة نادرة، وتحولت فيه الفضائح إلى مادة دسمة لزيادة المشاهدات، نجد أنفسنا في أمسّ الحاجة إلى استدعاء منظومة أخلاقية كادت أن تندثر تحت وطأة التهافت الرقمي. إننا نتحدث عن "فقه الجبر والستر"؛ تلك القيم التي لا تمثل مجرد فضائل فردية، بل هي صمام أمان لتماسك المجتمعات وحماية كرامة الإنسان.
أولاً: فقه الجبر.. بلسم القلوب المنكسرة
الجبر في اللغة هو إصلاح الشيء الكسير، وفي الشريعة هو عبادة "جبر الخواطر" التي تُعد من أرقى القربات إلى الله.
* الجبر في زمن "التنمر الرقمي": بينما يتسابق البعض في السخرية من زلة لسان أو تعثر شخص ما في مقطع فيديو، يأتي فقه الجبر ليأمرنا بكلمة طيبة تقيل العثرة. الجبر المعاصر هو أن تقف حائط صد أمام حملات السخرية التي قد تودي بصاحبها إلى الاكتئاب أو الانتحار.
* تطييب النفوس: إن "التريند" بطبيعته قاسٍ، لا يرحم الضعيف. أما المسلم فيعلم أن "من سار بين الناس جابرًا للخواطر، أدركه الله في جوف المخاطر". الجبر هنا يكون بالدعم النفسي، وبإظهار المحاسن في وقت تكالب فيه الناس على ذكر المساوئ.
ثانياً: فقه الستر.. الحجاب الحاجز للمجتمع
إذا كان "التريند" يقتات على كشف المستور ونشر الغسيل القذر، فإن الإسلام جعل الستر أصلاً من أصول المعاملات.
* الستر لا يعني إقرار الباطل: هناك خلط بين الستر والمداهنة. الستر هو إعطاء المخطئ فرصة للتوبة والإصلاح دون فضيحة عامة تحطمه اجتماعيًا. أما مجتمعات "التريند" فهي تمارس "التعرية الأخلاقية" باسم الصراحة، وهي في الحقيقة تمارس هدمًا للبيوت وإشاعة للفاحشة.
* عقوبة الفضيحة: حذر النبي ﷺ من تتبع عورات الناس، فقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم». في عالم "السوشيال ميديا"، تتبع العورات أصبح "مهنة" لبعض الحسابات، متناسين أن الجزاء من جنس العمل.
ثالثاً: التحديات الأخلاقية في المجتمعات الرقمية
لماذا غابت هذه القيم؟
* شهوة الظهور: الرغبة في "اللايك" جعلت البعض يضحي بستر أخيه أو بجبر خاطر صديقه في سبيل تعليق ساخر "يضرب تريند".
* تجريد الإنسان من مشاعره: خلف الشاشات، ننسى أن وراء كل حساب إنسانًا يتألم، وأسرة تتضرر، ومستقبلاً قد يضيع بسبب "مشاركة" (Share) غير مسؤولة.
* غلبة المادة على القيمة: تحول الخبر الفضائحي إلى "سلعة" تدر أرباحًا، مما جعل الستر يبدو وكأنه "خسارة مادية".
رابعاً: كيف نحيي هذه القيم اليوم؟
لكي لا نكون مجرد مستهلكين لثقافة "التريند" القاسية، علينا تبني خطوات عملية:
* الإمساك عن النشر: إذا وصلك فيديو فيه فضيحة أو انكسار لشخص، اجعله يقف عندك. كن أنت "المقبرة" التي تُدفن فيها زلات الناس.
* النصيحة في السر: استبدل "التعليق" العام الذي يفضح بـ "الرسالة الخاصة" التي تجبر وتصلح.
* دعم "المجبرين": شجع المحتوى الذي ينشر الإيجابية ويجبر عثرات الناس، بدلاً من التفاعل مع المحتوى الذي يتغذى على الفضائح.
إن مجتمعاً يخلو من "الجبر" هو مجتمع متوحش، ومجتمعاً يخلو من "الستر" هو مجتمع مكشوف أخلاقياً. إن فقه الجبر والستر هو الذي يحفظ للناس كرامتهم، وللمخطئين توبتهم، وللمجتمع سكينته. فلنكن في هذا الفضاء الرقمي الصاخب "ستّارين" للعيوب، "جابرين" للقلوب، مقتدين بصفات خالقنا الذي تسمى بـ "الستير".

تعليقات
إرسال تعليق