القائمة الرئيسية

الصفحات

خطورة الإشاعة في عصر التواصل الاجتماعي: رؤية شرعية

 


كتب / شعبان الأزهري  


في عصرنا الحالي، تحول العالم إلى قرية صغيرة بفضل ثورة المعلومات، وأصبح "الخبر" ينتقل بين القارات في أجزاء من الثانية بضغطة زر. ومع هذا التطور الهائل، برزت ظاهرة خطيرة تهدد السلم المجتمعي وتماسك الأمة، وهي الإشاعة الرقمية. 

إن الإشاعة ليست مجرد خبر كاذب، بل هي سلاح فتاك يستهدف العقول والقلوب، مما يتطلب وقفة حازمة من منظور الشريعة الإسلامية.


 أولاً: مفهوم الإشاعة وخطورتها في الفضاء الرقمي


الإشاعة هي نشر أخبار أو معلومات لا أساس لها من الصحة، أو تزييف الحقائق بغرض إثارة الفتنة أو تشويه السمعة. في الماضي، كان نطاق الإشاعة محدوداً بالمجالس الضيقة، أما اليوم في ظل منصات التواصل الاجتماعي، فإن الإشاعة تتميز بـ:

 سرعة الانتشار:تصل لملايين البشر قبل أن يتمكن صاحب الشأن من نفيها.

 تعدد الوسائط:لم تعد مجرد كلام، بل تُدعم بصور مفبركة أو مقاطع فيديو مجتزأة من سياقها.

 غياب المصدر: غالباً ما تبدأ من حسابات وهمية لا يمكن محاسبتها بسهولة.


ثانياً: الرؤية الشرعية ومنهج الإسلام في التعامل مع الأخبار


وضع الإسلام دستوراً أخلاقياً صارماً للتعامل مع المعلومات، يقوم على عدة ركائز أساسية:

1- التثبت والتبين:

أرسى القرآن الكريم قاعدة ذهبية في قوله تعالى:

 ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].

فالمسلم مأمور شرعاً بعدم تصديق كل ما يقرأ أو يسمع حتى يتأكد من مصدره ويتحقق من صدقه.

2- التحذير من "قيل وقال":

حذر النبي ﷺ من الخوض في أعراض الناس أو نقل كل ما يُسمع، فقال:"كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ"

 (رواه مسلم).

 وهذا الحديث يمثل رادعاً قوياً لأولئك الذين يعيدون نشر الرسائل دون تفكير في محتواها.

3- حفظ الألسنة والأعراض:

الإشاعة غالباً ما تطعن في أعراض الناس أو ذممهم، والإسلام جعل عرض المسلم دمه وماله في الحرمة. قال ﷺ: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ" (رواه مسلم).


 ثالثاً: الآثار الكارثية للإشاعة على المجتمع


تتجاوز خطورة الإشاعة الفرد لتصل إلى كيان الدولة والمجتمع، ومن أبرز آثارها:

 تمزيق النسيج الاجتماعي: زرع العداوة والبغضاء بين الأفراد والجماعات.

 إثارة الفتن والاضطرابات: قد تؤدي إشاعة واحدة إلى زعزعة الأمن أو انهيار اقتصادي نتيجة نشر معلومات مغلوطة.

 الظلم الاجتماعي: اغتيال معنوي للشخصيات العامة أو الأفراد، وتدمير بيوت ومستقبل أشخاص أبرياء.


رابعاً: سبل الوقاية والعلاج من منظور إسلامي


لمواجهة هذا الوباء الرقمي، يجب اتباع الخطوات التالية:

 1-استحضار الرقابة الإلهية: تذكر أن كل "نقرة" أو "مشاركة" هي كلمة مسؤولة أمام الله.

 2- إرجاع الأمر لأهل الاختصاص: عند سماع أخبار تمس الأمن أو الصحة أو الدين، يجب الرجوع للمصادر الرسمية وأهل العلم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾

 [النساء: 83].

 3-إماتة الإشاعة في مهدها:أفضل طريقة للقضاء على الإشاعة هي عدم تداولها. "الباطل يموت بترك ذكره".

 4- إحسان الظن بالآخرين:الالتزام بالأدب القرآني: ﴿لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 12].


إن التكنولوجيا وسيلة، والإنسان هو المسؤول عن توجيهها. والواجب على كل مسلم في عصر التواصل الاجتماعي أن يكون "مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر"، وألا يجعل من نفسه جسراً تعبر عليه الأكاذيب والفتن. فالكلمة أمانة، والتثبت ديانة، وحفظ المجتمع عبادة.

تعليقات