كتب/ شعبان الأزهري
في تاريخ الأزهر الشريف، تبرز قامات لم تكن مجرد رموز دينية، بل كانت حصوناً منيعة للحق والعدل وقوى دافعة نحو التطوير والتجديد. ومن بين هؤلاء، يسطع اسم الإمام عبد الرحمن تاج، الشيخ الحادي والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر، الذي تولى المشيخة مرتين (الأولى 1954-1958، والثانية 1963-1969). لُقب بـ "إمام التجديد" لما عُرف عنه من رؤية ثاقبة، وشجاعة في الطرح، وإصرار على إعمال العقل في فهم النصوص الشرعية لمواكبة تحديات العصر.
النشأة: من "أسيوط" إلى رحاب السوربون
ولد الشيخ عبد الرحمن تاج في مدينة أسيوط عام 1312 هـ (1894 م). تفوق في دراسته بالأزهر، وكان من أنبغ تلاميذ المدرسة العقلية التي أرساها الإمام محمد عبده، حيث تشرب منه المنهج الوسطي المقترن بالتمسك بالأصول.
لم يكتفِ تاج بالعلوم الأزهرية التقليدية، بل سافر إلى فرنسا، حيث حصل على درجة الدكتوراه من جامعة "السوربون". وقد صقلت هذه الرحلة العلمية عقله، ومنحته قدرة فائقة على الموازنة بين الأصالة والحداثة، وبين فكر المشرق ومنهجية المغرب.
ملامح مشيخته: "الجامعة الأزهرية" في أبهى صورها
تعد فترة مشيخة تاج من أزهى فترات الأزهر المعاصر، حيث شهدت إنجازات استراتيجية غيرت مجرى تاريخ الأزهر:
تطوير قانون الأزهر: قاد تاج حركة إصلاحية واسعة توجت بصدور قانون جديد للأزهر في عام 1961 م، والذي حوّل الأزهر إلى جامعة عصرية كبرى تضم كليات عملية (مثل الطب والهندسة والزراعة) بجانب الكليات الشرعية. وكان يرى أن هذا الدمج هو السبيل الوحيد لإعداد جيل من العلماء قادر على مخاطبة العالم بلغة العلم.
الانفتاح على اللغات الأجنبية: آمن الشيخ بأن رسالة الأزهر يجب أن تصل إلى كل لسان، فشجع على تعلم اللغات الأجنبية في كليات الأزهر، وأرسل البعثات العلمية إلى مختلف دول العالم.
دعم القضية الفلسطينية: كان للأزهر في عهده صوت مدوٍ في الدفاع عن عروبة فلسطين وإسلامية القدس، وحث المسلمين على الجهاد والدعم المادي والمعنوي.
بناء مدينة البعوث الإسلامية: بدأ في عهده التخطيط والبناء لمدينة البعوث الإسلامية، لتكون حاضنة للطلاب الوافدين من شتى بقاع الأرض، تجسيداً لدور الأزهر العالمي.
مواقفه العلمية والوطنية
الاعتدال والوسطية: عُرف عن تاج المنهج الوسطي، وكان يرى أن الإسلام يدعو إلى العلم والبحث، ولا يتعارض أبداً مع الرقي الحضاري. وكان يحث تلاميذه على البحث والنقد البناء.
الاستقلالية والكرامة: حافظ الشيخ على هيبة ووقار المؤسسة الأزهرية، وكان يرى أن شيخ الأزهر يجب أن يظل شامخاً ومستقلاً عن أهواء السياسة، مدافعاً عن حقوق العلماء وكرامتهم.
آثار العلمية
ترك الإمام تاج إرثاً من البحوث والمقالات الرصينة التي نُشرت في مجلة الأزهر، كما كانت له مؤلفات هامة تدل على ميله للتجديد، منها:
رسائل الإصلاح: وهي مجموعة مقالات وبحوث في إصلاح الفرد والمجتمع.
بلاغة القرآن: دراسة لغوية وبيانية عميقة.
تقريرات على المتون: كان له حواشي وتقريرات تداولها تلاميذه في الفقه الحنفي وأصوله.
الوفاة والرحيل
انتقل الإمام عبد الرحمن تاج إلى رحمة الله في عام 1395 هـ (1975 م). رحل الشيخ الذي وُصف بـ "الشيخ المجدد"، تاركاً سيرة عطرة لعالم لم تفتنه الدنيا، وظل مخلصاً لرسالة الأزهر حتى الرمق الأخير.
بقي تاج ملهماً للأجيال، يذكرونه كعالم أسيوطي المولد، أزهري الروح، عالمي الرسالة.
تعليقات
إرسال تعليق