كتب/ شعبان الأزهري
مع غروب شمس اليوم العشرين من رمضان، كان حال النبي ﷺ يتبدل، وهمته تتضاعف، وكأن سباقاً مع الزمن قد بدأ. لم تكن العشر الأواخر بالنسبة له مجرد أيام عادية، بل كانت "مضمار السباق" نحو القمة الإيمانية.
1. حال النبي ﷺ: الجد والاجتهاد
وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها هذا التغير النبوي في حديثها المشهور: "كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله".
* شد المئزر: كناية عن التفرغ التام للعبادة واعتزال النساء، والترفع عن الشواغل الدنيوية.
* إحياء الليل: فلم يكن يغمض له جفن إلا قليلاً، بل يحيي ليله بالصلاة، والذكر، وتلاوة القرآن.
* إيقاظ الأهل: لم يكن النبي ﷺ يريد الخير لنفسه فقط، بل كان يحرص على أن يشاركه أهل بيته هذا الأجر العظيم، وفي هذا درس لكل رب أسرة.
2. سنة الاعتكاف: الخلوة مع الخالق
من أعظم هدي النبي ﷺ في هذه العشر هو الاعتكاف. فقد كان يلزم المسجد، منقطعاً عن الناس، مقبلاً بقلبه وكليته على الله عز وجل.
> الهدف من الاعتكاف: ليس مجرد البقاء في المسجد، بل هو "صلاح القلب" بقطع الشواغل التي تشتت الذهن وتُضعف الصلة بالله.
3. تحري ليلة القدر
كان المحرك الأساسي لهذا الاجتهاد النبوي هو التماس ليلة القدر، تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر. كان ﷺ يحث الصحابة ويقول: "تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان".
ولم يكن تحريه لها مجرد ترقب بالوقت، بل كان بالعمل الصالح، فكان يكثر من الدعاء، خاصة ما علمه للسيدة عائشة: "اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني".
4. الجود والمدارسة
رغم اجتهاده في الصلاة، لم يغفل النبي ﷺ عن الجوانب الأخرى:
* جود منقطع النظير: كان ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل.
* مدارسة القرآن: كان يراجع القرآن مع جبريل عليه السلام، ليؤكد أن هذه الأيام هي أيام القرآن بامتياز.
الاقتداء هو الغاية
إن هدي النبي ﷺ في العشر الأواخر يعلمنا أن العبرة بالخواتيم. فالمؤمن الذكي هو من يستدرك ما فاته في أول الشهر بجد واجتهاد في آخره. لقد ترك لنا ﷺ خارطة طريق واضحة: خلوة، صلاة، دعاء، وإحسان.

تعليقات
إرسال تعليق