بقلم/نشأت البسيوني
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بشكل الحرب في صباحها التالي لأنها تتقن تغيير ملامحها كما يتقن الليل تبديل عتمته اخر الدورات جاءت أشد اتساعاً وأعمق وجعاً كأن الجبهات قررت أن تعيد ترتيب العالم بطريقتها الخاصة طريقة لا تعترف بالهدوء ولا تعطي فرصة لالتقاط الأنفاس في الميدان يتحرك المقاتلون مثل ظلال ثقيلة لا تنتمي للنهار ولا الليل واحد يتلمس جيبه ليتأكد أن صورة أمه ما زالت
معه وآخر يفكر في وعد قطعه لطفل ينتظره عند باب بيت لم يعد موجوداً وثالث ينظر إلى الأرض كأنه يعتذر لها عن كل خطوة اضطر أن يخطوها فوقها والسماء فوقهم لا ترحم ولا تستقر وكأنها شاهدة مجبرة على كل ما يحدث اخر الدورات تكشف أن الحرب ليست صراعاً من أجل حدود فقط لكنها صراع من أجل البقاء صراع من أجل معنى يحاول كل طرف أن يمسك به قبل أن يسقط من يده
صراع من أجل أن تبقى الروح ثابتة رغم كل ما ينتزعها من مكانها رائحة البارود الثقيلة صوت الانفجار الذي يشق الهواء صرخة أحدهم التي لا تجد من يلتقطها كل هذا أصبح جزءاً من يوم عادي في حياة غير عادية الناس في الخارج يشاهدون الصور ويتبادلون التحليلات أما الذين في الداخل فيحفظون تفاصيل أدق من أن تنشر يحفظون شكل الباب الذي سقط لأول مرة وصوت النوافذ
حين تهتز قبل سقوط القذيفة وخطوات الركض في الأزقة الضيقة حين يصبح الوقت أثمن من التفكير وفي كل دورة من دورات النار تتغير دائرة الحياة نفسها لا أحد يعود كما كان حتى لو عاد وفي خلفية المشهد يقف العالم كعادته بين متردد ومتفرج وبين من يتكلم أكثر مما يفعل ومن ينتظر أكثر مما يتحرك يجتمعون يختلفون يوقعون أوراقاً لا تصل أبداً إلى لهيب الجبهة بينما الذين
يقفون بين الخنادق لا يملكون ترف التوقيع ولا الوقت للانتظار
اخر الدورات تقول إن الحرب لا تنطفئ لأنها تريد أن تذكر الجميع بأنها لا تزال قادرة على إعادة صياغة الواقع وإن الخراب لا يحدث دفعة واحدة بل يحدث في طبقات كل طبقة أعمق وأشد ألماً من التي قبلها وإن القلوب التي تقف في وجه هذا كله تصبح أقوى مما تظن لكنها تتشقق من الداخل بصمت لا يسمعه أحد ورغم ذلك هناك
دائماً من يقف شامخاً رغم الغبار من يرفع رأسه فوق الركام كأنه يتحدى الهواء نفسه من يعيد البناء بيد مرتجفة لكنه يؤمن أن العودة ممكنة مهما طال الدمار هؤلاء هم الذين يفهمون أن فصول النار مهما امتدت فإنها لا تستطيع محو رغبة الإنسان في النجاة وفي أن يكتب حياته بنفسه لا بالحرب يبقى السؤال نفسه يلاحق الجميع إلى متى يستمر هذا الفصل وإلى متى يظل العالم يقرأ دون
أن يفهم ويشاهد دون أن يتدخل وإلى متى ستظل الحرب تفتح أبوابها كل يوم كأنها مكتبة تعيد كتابة القصة دون أن تسمح لأحد بكتابتها من جديد

تعليقات
إرسال تعليق