القائمة الرئيسية

الصفحات

الصمت الذي يتحدث... الوطن اليوم ـ حصري

بقلم/نشأت البسيوني 



هناك صمت لا يشبه أي صمت آخر صمت يعيش فيه الإنسان وحده صمت لا يحتاج إلى تفسير أو إلى كلمات صمت يحمل في داخله شعور عميق لا يفهمه إلا من اختبره بنفسه الإنسان في هذا الصمت يجلس مع نفسه يفكر في ما مضى وما هو قادم يفهم ما لم يفهمه وسط ضجيج الحياة يتذكر أشخاصا رحلوا وأحلاما تأجلت وقرارات لم يتخذها وأشياء كثيرة ظل يتجاهلها طوال الوقت وفي هذا 


الصمت يكتشف الإنسان جوانب في داخله لم يكن يعرفها قدرات جديدة قوة خفية رغبة في التغيير أو حتى قبول لما لا يستطيع تغييره يشعر بأن قلبه أكثر وضوحا وعقله أكثر صفاء من أي وقت مضى الصمت يعلم الإنسان الصبر يعلم الإنسان كيف يسمع نفسه قبل الآخرين يعلم الإنسان أن بعض الكلمات غير ضرورية وأن بعض الضحكات مجرد واجهة وأن بعض الوجوه لا تحتاج إلى تفسير وفي 


لحظة الصمت يصبح كل شيء أهدأ كل شعور أكثر وضوحا كل قرار أكثر قوة لأن الإنسان يرى العالم بعينيه الخاصة وليس بعين الآخرين أو توقعاتهم الصمت الذي يتحدث لا يصدر صوتا لكنه يحدث تغييرا داخليا يجعل الإنسان أكثر وعيا أكثر قدرة على التمييز وأكثر استعدادا لمواجهة الحياة كما هي دون أن يتوه في ظلال الآخرين وفي هذا الصمت يلتفت الإنسان إلى تفاصيل صغيرة 


مر عليها دون أن يلاحظها لموقف صغير أو كلمة عابرة أو لحظة صمت أخرى مرّت بجانبه ولم يعطها اهتماما ومع مرور الوقت يدرك أن هذه اللحظات الصغيرة هي التي صنعت الفرق في داخله هي التي أعطته القدرة على التفكر والتمييز هي التي جعلت قلبه يفهم ما كان مستعصيا على الفهم وسط ضجيج الأيام الصمت يمنح الإنسان فرصة ليعيد ترتيب أفكاره ومشاعره يرى من يحب حقا 


ومن يستحق مكانه في حياته ويكتشف الأمور التي كان يصر على التمسك بها رغم أنها لم تعد تناسبه ويعرف كيف يترك ما لا يستطيع السيطرة عليه دون أن يشعر بالندم أو الخسارة الصمت يجعل الإنسان يفهم قيمة الأشياء البسيطة لحظة ضحكة صادقة لحظة هدوء بين ضجيج العالم لحظة شعور بالامتنان حتى لأصغر ما يملك يدرك أن الحياة ليست فقط في الأحداث الكبيرة أو القرارات 


المصيرية بل في كل لحظة يوقف نفسه فيها ليلاحظ ما حوله وما في داخله الصمت يعلّم الإنسان أيضا كيف يواجه نفسه بصدق كيف يكتشف مخاوفه وقلقه وكيف يواجه رغباته وطموحاته دون ضغط خارجي يعلم الإنسان أنه ليس كل ما يراه الناس ضروريا لتصديق الآخرين بل المهم أن يصدق هو نفسه ويعيش بما يؤمن به ويتقبل أن لا يفهم الجميع دوافعه أو اختياراته وفي النهاية يدرك الإنسان 


أن الصمت ليس فراغا ولا هروبًا من الواقع بل هو أعمق وسيلة لفهم الذات والحياة هو مساحة ينمو فيها القلب ويصفو فيها العقل ويهدأ فيها الروح هو تلك اللحظة التي يجد فيها الإنسان نفسه كاملة مع كل ما مر به وكل ما سيأتي الصمت الذي يتحدث هو المعلم الصامت الذي لا يخطأ هو المرشد الداخلي الذي يفتح أمام الإنسان الأبواب ليكتشف قدراته ويفهم مشاعره ويختار طريقه بخطوات أهدأ وأكثر 


ثقة وأكثر قربا من ذاته الحقيقية هو اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الحياة ليست مجرد أحداث بل تجربة يعيشها في عمق قلبه وروحه وأن الأصوات التي لا تسمعها الأذن أحيانًا هي الأهم لأنها تتحدث مباشرة إلى داخله وتغيّره بلا ضجيج وببطء لكنه لا ينسى أبدا

تعليقات