القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد الأحمدي الظواهري: الإمام المجدد وأول من شرع في "تطوير المعاهد"

 



كتب / شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ محمد مصطفى المراغي في فترته الأولى، آلت مشيخة الأزهر الشريف في عام 1348 هـ (1929 م) إلى عالم امتاز بطموحه الإداري ورؤيته العصرية، وهو الإمام محمد الأحمدي الظواهري. يُعد الشيخ الظواهري الإمام الخامس والعشرين في سلسلة مشايخ الأزهر، والرجل الذي تحمل عبء مواجهة "الجمود" ومحاولة نقل الأزهر إلى آفاق الجامعات العالمية الكبرى.


النشأة: من "كفر الظواهري" إلى الفكر الإصلاحي


ولد الشيخ محمد الأحمدي في قرية "كفر الظواهري" بمحافظة الشرقية عام 1295 هـ (1878 م). نشأ في بيت علم وصلاح، والتحق بالأزهر الشريف حيث أبان عن ذكاء مفرط وقدرة على التحليل.

كان الظواهري شافعي المذهب، لكنه كان من أكثر العلماء انفتاحاً على العلوم الحديثة. تأثر كثيراً بدعوات الإصلاح التي أطلقها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، مما جعله يدرك مبكراً أن بقاء الأزهر رهين بتطوير مناهجه ووسائله التعليمية.


ملامح مشيخته: "الجامعة الأزهرية" في ثوبها الجديد


تولى الظواهري المشيخة في فترة دقيقة، وبذل جهداً هائلاً لإحداث ثورة إدارية وتنظيمية، ومن أبرز معالم عهده:

قانون عام 1930 (قانون 49): يُعتبر هذا القانون أهم إنجازات الظواهري، إذ بفضله تم تقسيم الدراسة في الأزهر إلى ثلاث كليات رسمية (أصول الدين، الشريعة الإسلامية، واللغة العربية). كما حدد القانون مراحل التعليم الأزهري بدقة، مما جعل الأزهر "جامعة" بالمعنى الحديث.


تأسيس "مجلة الأزهر": أصدر الشيخ الظواهري مجلة "نور الإسلام" (التي أصبحت فيما بعد مجلة الأزهر) عام 1930 م، لتكون لسان حال الأزهر، ومنبراً لنشر الفكر الإسلامي الصحيح، والرد على الشبهات، ومخاطبة العالم الإسلامي.


إرسال البعثات الخارجية: آمن الظواهري بضرورة احتكاك علماء الأزهر بالثقافات الأخرى، فأرسل البعثات العلمية إلى أوروبا لتعلم اللغات والعلوم الإنسانية، ليعودوا فيكونوا نواة للتطوير في كليات الأزهر الجديدة.

تطوير المعاهد الإقليمية: اهتم بتنظيم المعاهد الدينية في الأقاليم وربطها إدارياً وعلمياً بالمشيخة في القاهرة، لضمان جودة التعليم في كافة ربوع مصر.


مواقفه العلمية والوطنية


الاعتدال والوسطية: عُرف عنه المنهج الوسطي، وكان يرى أن الإسلام يدعو إلى العلم والبحث، ولا يتعارض أبداً مع الرقي الحضاري.

الثبات أمام الضغوط: واجه الشيخ الظواهري معارضات شديدة، سواء من التيارات "الجامدة" التي رفضت إدخال العلوم الحديثة، أو من التقلبات السياسية في عصره، لكنه ظل ثابتاً على رؤيته الإصلاحية حتى استقالته في عام 1935 م.


آثاره العلمية


رغم ضيق وقته بسبب الانشغال بالإدارة، ترك الظواهري مؤلفات قيمة تدل على ميله للتجديد، منها:

العلم والعلماء: وهو كتاب ناقش فيه حال التعليم في زمانه، ووضع رؤيته لكيفية النهوض بالمؤسسات العلمية الإسلامية.

السياسة والأزهر: تناول فيه العلاقة الحساسة بين المؤسسة الدينية والسلطة السياسية، داعياً إلى استقلال الأزهر.


الوفاة والإرث


توفي الإمام محمد الأحمدي الظواهري في عام 1363 هـ (1944 م). رحل "الشيخ المجدد" الذي وُصف بأنه كان يسبق عصره بخطوات، وأن العديد من الثمار التي جناها الأزهر في العقود التالية كانت بذوراً زرعها هو بصبره وعزيمته.

يُسجل التاريخ للظواهري أنه الرجل الذي "هيكل" الأزهر الحديث، وجعله يسير في طريق المؤسسية الجامعية، مانحاً إياه الأدوات اللازمة للبقاء كأهم مرجعية إسلامية سنية في العالم.

تعليقات