القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد المهدي العباسي: الإمام المجدد وأول "حنفي" يعتلي سدة المشيخة

 



كتب / شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ مصطفى العروسي، دخل الأزهر الشريف مرحلة تاريخية فارقة في عام 1287 هـ (1870 م)، حين تم اختيار الإمام محمد المهدي العباسي ليكون الشيخ التاسع عشر للأزهر. لم يكن هذا الاختيار عادياً، فقد كسر العباسي قاعدة استمرت لأكثر من 150 عاماً باقتصار المشيخة على المذهب الشافعي، ليكون أول إمام من المذهب الحنفي يتولى هذا المنصب الرفيع، وأصغر من تولاه أيضاً (في سن الحادية والعشرين).


النشأة: سليل العلم والنسب العباسي


ولد الشيخ محمد المهدي في مدينة الإسكندرية عام 1243 هـ (1827 م). ينتهي نسبه إلى الخليفة العباسي "المعتصم بالله"، ونشأ في بيت علم وجاه؛ فوالده هو الشيخ محمد أمين العباسي الذي كان مفتياً للديار المصرية.

تلقى المهدي العباسي تعليماً رفيعاً، وحفظ القرآن الكريم والمتون العلمية في سن مبكرة. وعندما توفي والده وهو لا يزال صبياً، أمر إبراهيم باشا (ابن محمد علي باشا) برعايته وإعداده ليكون خلفاً لوالده، فأتم دراسته بالأزهر على يد كبار العلماء، وبرز بنبوغه في الفقه الحنفي والعلوم العقلية.


ملامح مشيخته: الجمع بين الإفتاء والمشيخة


استمرت مشيخته نحو 16 عاماً في الفترة الأولى، ثم عاد إليها لفترة ثانية. تميز عهده بملامح جعلت منه أحد أعظم مشايخ الأزهر في العصر الحديث:

 * أول شيخ يجمع بين المشيخة والإفتاء: ظل الشيخ المهدي مفتياً للديار المصرية طوال فترة مشيخته، بل استمر في منصب الإفتاء لمدة 40 عاماً كاملة، مما منحه سلطة دينية وتشريعية واسعة.

 * قانون تنظيم الأزهر (1872 م): يُعد العباسي هو الواضع الحقيقي لأول قانون شامل لتنظيم الدراسة والامتحانات في الأزهر الشريف. حدد هذا القانون المواد التي تُدرس، وكيفية نيل شهادة "العالمية"، ونظام اللجان الامتحانية، مما نقل الأزهر من العفوية إلى المؤسسية.

 * النزاهة والاستقلال: اشتهر بوقوفه في وجه التدخلات السياسية. ومن أشهر مواقفه رفضه التوقيع على قرار عزل الخديوي إسماعيل قبل أن يتيقن من المسوغات الشرعية، كما عارض بعض قرارات "الثورة العرابية" عندما رأى فيها خروجاً عن النظام، مما جلب عليه الكثير من المتاعب لكنه زاد من هيبته.


آثاره العلمية: "الفتاوى المهدية"


ترك الشيخ المهدي العباسي أثراً علمياً ضالعاً، يعتبر حتى اليوم مرجعاً أساسياً في الفقه الحاسي والتطبيق العملي للشريعة:

 * الفتاوى المهدية في الوقائع المصرية: وهو موسوعة ضخمة تقع في سبعة مجلدات، جمع فيها فتاواه التي أصدرها طوال أربعين عاماً، وتعد سجلاً حافلاً للحياة الاجتماعية والقانونية في مصر القرن التاسع عشر.

 * تقريرات وتدقيقات فقهية: كان له أثر كبير في صياغة القوانين المدنية والأحوال الشخصية بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.


وفاته وإرثه التاريخي


توفي الإمام محمد المهدي العباسي في عام 1315 هـ (1897 م). رحل الإمام الذي استطاع أن يدير دفة الأزهر في أمواج سياسية متلاطمة (من عهد محمد علي إلى الاحتلال الإنجليزي).

يُسجل له التاريخ أنه الإمام الذي طوّر "الشهادة العالمية"، وهو الذي جعل للمذهب الحنفي قدماً راسخة في المشيخة، وترك وراءه مؤسسة تعليمية ذات نظام وقانون، ممهداً الطريق لمن جاء بعده من المجددين مثل الإمام محمد عبده.

تعليقات