القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ مصطفى عبد الرازق: إمام الفلاسفة وأديب المشيخة

 




كتب/ شعبان الأزهري 


حينما اعتلى الإمام مصطفى عبد الرازق سدة مشيخة الأزهر الشريف في عام 1364 هـ (1945 م)، لم يكن مجرد فقيهٍ أزهري يتولى المنصب، بل كان "فيلسوفاً" بزيِّ العلماء، ومجدداً بروح الأدباء. هو الشيخ السادس والعشرون في سلسلة مشايخ الأزهر، والرجل الذي جمع في شخصيته بين أصالة الشرق ومنهجية الغرب، ليفتح آفاقاً جديدة للفكر الإسلامي الحديث.


النشأة: من "أبو جرج" إلى "السوربون"


ولد الشيخ مصطفى عبد الرازق في قرية "أبو جرج" بمحافظة المنيا عام 1302 هـ (1885 م). نشأ في أسرة أرستقراطية وطنية محبة للعلم، فكان والده "حسن باشا عبد الرازق" من أقطاب السياسة والإصلاح.

تلقى تعليمه الأولي بالأزهر، وكان من أخلص تلاميذ الإمام محمد عبده، الذي تأثر بمنهجه العقلي تأثراً عميقاً. لم يكتفِ مصطفى عبد الرازق بالدراسة بالأزهر، بل سافر إلى فرنسا والتحق بجامعة "السوربون"، حيث درس الفلسفة والاجتماع، وأتقن اللغة الفرنسية، وترجم بعض أعمال الإمام محمد عبده إليها، مما منحه رؤية نقدية ومنهجية عالمية.


ملامح مشيخته: "الشيخ الوزير" وتحدي التجديد


تعد مشيخة الشيخ مصطفى عبد الرازق علامة فارقة لعدة أسباب:

أول "وزير" يتولى المشيخة: كان الشيخ مصطفى قد تولى وزارة الأوقاف لعدة مرات قبل مشيخة الأزهر، وهو أول شيخ يُكسر من أجله شرط "قضاء فترة في التدريس أو القضاء" لتولي المنصب، وذلك تقديراً لقامته العلمية والفلسفية الشامخة.


الفلسفة في رحاب الدين:


 أعاد الاعتبار لتدريس الفلسفة الإسلامية، وكان يرى أن الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام، بل هي أداة للعقل لفهم أسرار الشريعة، وبذل جهداً كبيراً في إثبات أن للمسلمين فلسفة أصيلة نابعة من فكرهم لا مجرد تقليد لليونان.


الرقي الخلقي والأدبي:


 عُرف عنه التواضع الجم، واللغة الأدبية الراقية، والقدرة على الحوار مع المثقفين والشباب بلسانٍ عصري، فكان جسراً للتواصل بين الأزهر والجامعة المصرية.


إرثه الفكري: "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية"


ترك الإمام مصطفى عبد الرازق مؤلفات تعد من كلاسيكيات الفكر العربي الحديث، ومن أهمها:

تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: وهو كتابه الأشهر الذي أثبت فيه أصالة المنهج العقلي عند العرب والمسلمين، خاصة في علمي "الكلام" و"أصول الفقه".

الإمام محمد عبده: دراسة وافية عن حياة وأفكار أستاذه وملهمه.

محمد بن عبد الوهاب: دراسة نقدية تاريخية.

مذكرات مسافر: سجل فيها بعضاً من رؤاه الأدبية والفكرية.


مواقفه الوطنية والإنسانية


كان الشيخ مصطفى عبد الرازق رمزاً للوطنية الصادقة، شارك في ثورة 1919، وكان يؤمن بأن إصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الفرد وتربية العقل. كما عُرف بوقوفه مع المبدعين والكُتاب، وكان صالونه الأدبي مجمعاً لكبار المفكرين من مختلف الاتجاهات، مما جعل الأزهر في عهده منفتحاً على آفاق الثقافة العالمية.


الوفاة والرحيل


توفي الإمام مصطفى عبد الرازق في عام 1366 هـ (1947 م). رحل "الشيخ المستنير" الذي استطاع أن يرتدي "العمامة" بوقار الفقه وذكاء الفلسفة، تاركاً إرثاً يؤكد أن الأزهر قادر على إنجاب قادة فكريين يخاطبون العالم بلغة العلم والمنطق.

تعليقات