القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد مصطفى المراغي: إمام التجديد ورائد النهضة الأزهرية الحديثة

 




كتب / شعبان الأزهري 


عندما نتحدث عن الإصلاح في الأزهر الشريف خلال القرن العشرين، يبرز اسم الإمام محمد مصطفى المراغي كواحد من أجرأ وأعظم المشايخ الذين تولوا المنصب. هو الشيخ الرابع والعشرون (والسادس والعشرون في فترته الثانية)، والرجل الذي لم يكتفِ بتدريس العلم، بل سعى لإعادة صياغة مؤسسة الأزهر لتواكب روح العصر وتحديات الحداثة.


النشأة: من "المراغة" إلى مدرسة الأفغاني وعبده


ولد الشيخ المراغي في بلدة "المراغة" بمحافظة سوهاج عام 1298 هـ (1881 م). نشأ في أسرة علمية، وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهـر في سن مبكرة.

كان المراغي حنفي المذهب، لكن تكوينه العقلي تأثر بمدرستين متكاملتين:

المدرسة الأزهرية الرصينة: التي منحته التمكن من المتون والفقه.

مدرسة الإمام محمد عبده: حيث كان المراغي من أخلص تلاميذ "الأستاذ الإمام"، فتشرب منه فكر التجديد، وضرورة إعمال العقل، وفتح باب الاجتهاد، ونبذ التعصب المذهبي.


ملامح مشيخته: ثورة "التطوير الشامل"


تولى المراغي المشيخة مرتين (الأولى 1928-1929، والثانية 1935-1945). تميزت فترته بإنجازات غيرت مجرى تاريخ الأزهر:

إنشاء الكليات الثلاث: في عهده تحول النظام التعليمي من "الحلقات" إلى "الكليات الجامعية" المنظمة، فأنشأ كليات: أصول الدين، والشريعة، واللغة العربية، مما وضع حجر الأساس لجامعة الأزهر الحديثة.

تطوير القضاء الشرعي: قبل توليه المشيخة، عمل قاضياً للقضاة في السودان، وكان له دور بارز في تنظيم المحاكم الشرعية وتطوير قوانين الأحوال الشخصية لتلائم مقاصد الشريعة واحتياجات الناس.

الانفتاح العالمي: شجع على تعلم اللغات الأجنبية وإيفاد البعثات الأزهرية إلى أوروبا (خاصة فرنسا وإنجلترا) ليدرس العلماء العلوم الإنسانية والفلسفية، ليكونوا قادرين على مخاطبة الغرب وفهم فكره.

لجنة الفتوى: هو الذي أمر بتنظيم "لجنة الفتوى" بالأزهر لتكون مرجعية جماعية مؤسسية، بدلاً من الفتاوى الفردية التي قد تتضارب.


مواقفه الوطنية والصلابة في الحق


اشتهر الإمام المراغي بـ "قوة الشخصية" أمام الملوك والحكام. كان صديقاً للملك فاروق لكنه لم يكن "شيخاً للقصر"؛ بل وقف في وجه الملك في قضايا شرعية ووطنية عديدة. ومن أشهر كلماته التي تُدرس في العزة والكرامة:

"إن المراغي لا يستطيع أن يحرم ما أحل الله، ولا أن يحل ما حرم الله".

كما كان له دور وطني بارز في دعم القضية الفلسطينية، وكان يرى أن الأزهر يجب أن يكون في طليعة القوى الوطنية المدافعة عن استقلال مصر والعالم العربي.


آثاره العلمية


رغم انشغاله بالإصلاح الإداري والسياسي، ترك المراغي بحوثاً ومقالات تدل على عمق فكره التجديدي:

بحوث في وجوب ترجمة معاني القرآن الكريم: وهي قضية أثارت جدلاً واسعاً في وقته، وانتصر فيها لرأي جواز الترجمة لنشر الإسلام.

رسالة في الزواج والطلاق: وضعت الأسس الشرعية لقوانين الأحوال الشخصية الحديثة.

دروس في التفسير: تميزت بأسلوب عقلي يربط بين الآيات والواقع المعاصر.


الوفاة والإرث


توفي الإمام محمد مصطفى المراغي في أغسطس 1945، ورحل الرجل الذي نقل الأزهر من "القرون الوسطى" إلى "العصر الحديث".

بقي المراغي في ذاكرة التاريخ كإمام "مجدد" لم يهب التغيير، واستطاع أن يوازن بين قدسية التراث ومتطلبات العصر، تاركاً خلفه جامعة عالمية ومدرسة فكرية تؤمن بأن الإسلام دين العقل والتقدم.

تعليقات