كتب/ شعبان الأزهري
في تاريخ الأزهر الشريف، تبرز قامات لم تكن مجرد رموز دينية، بل كانت حصوناً منيعة للحق، ومنارات اهتداء في عصور متلاطمة. ومن بين هذه القامات، يسطع اسم الإمام الأكبر حسن مأمون، الشيخ الثالث والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر (تولى المشيخة 1964 - 1969 م). لُقب بـ "إمام التوازن" لما عُرف عنه من دقة في الفتوى، وسلوك المنهج الوسطي بحكمة واقتدار في مرحلة حرجة من تاريخ مصر الحديث.
النشأة: من "الرشيد" إلى قمة القضاء الشرعي
ولد الشيخ حسن مأمون في مدينة القاهرة عام 1312 هـ (1894 م). نشأ في أسرة علمية عريقة (آل مأمون)، وحفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني وتفوق فيه، ومن ثم التحق بكلية القضاء الشرعي وحصل على شهادة "العالمية".
كان الشيخ مأمون حنفي المذهب، وقد سلك طريق القضاء الشرعي لسنوات طويلة، وتدرج فيه حتى أصبح "رئيس المحكمة العليا الشرعية". وخلال هذه الفترة، أصدر أحكاماً وفتاوى عُدت مراجع شرعية وقانونية لما اتسمت به من دقة، ومراعاة لمصالح الناس، وعمق استنباط.
ملامح مشيخته: "الاعتدال المؤسسي"
تولى الإمام حسن مأمون المشيخة في مرحلة سياسية واجتماعية هامة، وعمل جاهداً على ترسيخ دعائم "الاعتدال المؤسسي":
* الموازنة بين الدولة والدين: اشتُهر بحكمته في إدارة العلاقة بين الأزهر كمؤسسة دينية وبين الدولة، حيث حافظ على استقلالية الأزهر العلمية والروحية، مع التأكيد على دور الأزهر الوطني في دعم قضايا الأمة.
* إصلاح المعاهد الأزهرية: كان يؤمن بأن الأزهر يحتاج دائماً إلى تنقية مناهجه وتطوير أسلوب التدريس، ليشمل العلوم الحديثة بجانب العلوم الشرعية، ليكون العالم الأزهري فاهماً لواقعه.
* دعم القضية الفلسطينية: كان للأزهر في عهده صوت مدوٍ في الدفاع عن عروبة فلسطين وإسلامية القدس، وحث المسلمين على الجهاد والدعم المادي والمعنوي، خاصة بعد نكسة 1967 م.
مواقفه العلمية والوطنية
* دقة الفتوى: كان الشيخ حسن مأمون يتروى كثيراً قبل إصدار الفتاوى، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، وكان يميل إلى التيسير الذي لا يخل بجوهر الشريعة.
* حفظ التراث: كان يرى أن التطوير لا يعني القطيعة مع القديم، بل هو فهم التراث فهماً عميقاً وتنزيله على الواقع المعاصر، ولذلك كان يشجع على قراءة أمهات الكتب بأساليب حديثة.
آثار العلمية
لم يترك الشيخ مأمون مؤلفات ضخمة من حيث العدد، لكنه ترك آثاراً نوعية من حيث القيمة، منها:
* الفتاوى: وهي مجموعة من فتاواه التي أصدرها خلال فترة عمله في القضاء والمشيخة، وتعتبر مرجعاً هاماً في الفقه الحنفي المقارن.
* أبحاث في القانون الشرعي: نُشرت في مجلة الأزهر والمجلات الحقوقية، وتعتبر مراجع في حل عويص المسائل القانونية.
* تقريرات على المتون: كان له حواشي وتقريرات تداولها تلاميذه في الفقه الحنفي وأصوله.
الوفاة والرحيل
انتقل الإمام الأكبر حسن مأمون إلى رحمة الله في عام 1393 هـ (1973 م)، مخلفاً وراءه سيرة عطرة لعالم رباني، وقائد مؤسسي، وظل مثالاً يحتذى به لكل من يتولى أمانة الفتوى والقيادة الدينية.
بقي حسن مأمون ملهماً للأجيال، يذكرونه كعالم قاهري المولد، أزهري الروح، عالمي الرسالة.

تعليقات
إرسال تعليق