بقلم/نشأت البسيوني
يمضي الانسان في حياته معتقدا ان التغير يحتاج الى صدمة كبيرة او حدث واضح يهز اعماقه لكنه لا ينتبه ان اكثر ما يغيره يحدث في الايام العادية الايام التي تمر بهدوء شديد دون اي علامة تلفت الانتباه تلك الايام التي لا يتوقع منها شيئا لكنها تحمل في داخلها اثرا عميقا لا يشعر به الا بعد زمن ففي يوم يبدو عاديا جدا قد يكتشف الانسان انه لم يعد ينتمي الى الاشياء التي كان يتمسك بها
وقد يشعر ان طريقه يحتاج مراجعة وان قلبه لم يعد يتحمل ما كان يظنه طبيعيا وفي يوم اخر قد يدرك انه اقوى بكثير مما كان يعتقد وان التجارب التي مر بها شكلت داخله قدرة لم يكن يرى وجودها
الايام الهادئة تبني الانسان ببطء كل صباح يضيف اليه شيئا جديدا وكل مساء يسحب منه شيئا لم يعد يناسبه حتى يجد نفسه مختلفا دون ان يعرف متى بدأ هذا التحول ولماذا اصبح اكثر هدوءا واكثر
حكما واكثر فهما لما يدور حوله وقد تأتي لحظة في منتصف يوم مزدحم يشعر فيها الانسان بوضوح لم يعرف سببه يفهم خلالها ان الاشخاص الذين حوله ليسوا كما كان يتخيل وان بعض العلاقات تستحق الاستمرار وان اخرى انتهت منذ زمن لكنه كان يؤجل الاعتراف بذلك وقد يكتشف انه كان يهرب من فكرة معينة لكنه اليوم اصبح جاهزا لمواجهتها دون خوف والايام التي تعيد تشكيل
الانسان ليست مليئة بالضجيج بل مليئة بالصمت صمت داخلي يكشف له ما يخفيه عن نفسه وما يتجنب التفكير فيه صمت يجعله يرى ما فقده وما بقي وما يحتاج اليه ليكمل الطريق ومع مرور الايام تتغير اولويات الانسان يصبح تقديره لراحته اهم من ارضاء الجميع ويصبح بحثه عن الصدق اكبر من بحثه عن الكثرة ويصبح تركه لما يؤذيه اسهل مما كان يتخيل ويصبح قادرا على التمييز بين
ما يريده حقا وما يتوقعه الاخرون منه يفهم الانسان ان الايام الهادئة هي التي صنعت قوته وان اللحظات التي لم ينتبه اليها هي التي صنعت حكمته وان التفاصيل الصغيرة كانت اساس كل تغير بداخله وان كل يوم عادي كان خطوة نحو نسخة اكثر نضجا ووعيا من نفسه وهكذا يكتشف الانسان ان التغير الحقيقي لا يصنع ضوضاء ولا يعلن عن نفسه بل يتشكل في داخله بصمت حتى
يصبح واقعا يراه كل من حوله دون ان يعرف كيف تحول ومتى بدأ كل شيء

تعليقات
إرسال تعليق