كتب / شعبان الأزهري
بحلول عام 1317 هـ (1899 م)، تولى سدة مشيخة الأزهر الشريف الإمام سليم بن أبي فراج بن سليم بن أبي فراج البشري، ليكون الشيخ الثاني والعشرين في سلسلة مشايخ الأزهر العظام. لُقب بـ "شيخ المحدثين"، وكان يمثل نموذجاً فريداً للعالم الذي جمع بين صرامة المحدث، وفقه الفقيه، وحكمة القائد الإداري.
النشأة: من "محلة بشر" إلى أروقة الأزهر
ولد الشيخ سليم البشري في قرية "محلة بشر" بمحافظة البحيرة عام 1248 هـ (1832 م). حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، ثم شد الرحال إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، حيث أظهر نبوغاً استثنائياً في علوم الحديث واللغة.
كان البشري مالكي المذهب، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره، ومنهم الشيخ علي بن خليل الأسيوطي. تميز بحبه الشديد للسنة النبوية، وقضى معظم حياته في شرح "صحيح البخاري" و"صحيح مسلم"، حتى صار يُشار إليه بالبنان كأعلم أهل زمانه بالحديث النبوي ورجاله.
ملامح مشيخته: مواجهة العواصف بالثبات
تولى الشيخ البشري المشيخة مرتين (الأولى من 1899 إلى 1903 م، والثانية من 1909 إلى 1916 م). تميزت فترته بملامح تاريخية هامة:
الدفاع عن هيبة الأزهر: عاش في فترة تميزت بالصراع بين القصر (الخديوي عباس حلمي الثاني) وسلطات الاحتلال البريطاني، وحرص دائماً على ألا يكون الأزهر أداة في يد أي طرف، مما جعله يدخل في صدامات عديدة دفاعاً عن استقلال المؤسسة.
إصلاح القوانين التعليمية: في عهده الثاني (عام 1911 م)، صدر القانون رقم 10 الذي أعاد تنظيم الأزهر، وقسم الدراسة فيه إلى ثلاث مراحل (أولية، ثانوية، وعالية)، وهو النظام الذي مهد الطريق لتحويل الأزهر إلى جامعة حديثة بمعايير عالمية.
رعاية الوافدين: اهتم بشؤون الطلاب المغتربين (الأروقة)، وعمل على تحسين نظام "الجراية" والسكن، وكان يرى أن الأزهر أمانة في عنقه أمام العالم الإسلامي أجمع.
آثاره العلمية: "شيخ المحدثين"
ترك البشري بصمة واضحة في المكتبة الإسلامية، ومن أهم مؤلفاته:
حاشية على رسالة الشيخ عليش في الاستعارة.
حاشية على "توضيح" ابن هشام في النحو.
تقريرات على شرح الخرشي: في الفقه المالكي.
المناقشات الفقهية: وهي ردود وتعليقات علمية رصينة كانت تُتداول بين كبار العلماء لتنقيح المسائل.
وفاته وإرثه الخالد
توفي الإمام سليم البشري في عام 1335 هـ (1916 م). رحل الشيخ الذي وصفه معاصروه بـ "البحر الخضم" في العلم، والصلب في الحق.
ترك البشري خلفه مدرسة حديثية عريقة، وتلاميذ صاروا فيما بعد من كبار المصلحين. كما يُسجل له التاريخ أنه كان صمام الأمان للأزهر في واحدة من أصعب الفترات السياسية التي مرت بها مصر، حيث استطاع بوقاره وعلمه أن يحفظ للأزهر هيبته أمام الداخل والخارج.

تعليقات
إرسال تعليق