بقلم/نشأت البسيوني
يمضي الإنسان في حياته معتقدا أن الأيام التي مرت قد انتهت وأن ما حدث بالأمس أصبح مجرد ذكرى بعيدة لكنه يكتشف مع مرور الوقت أن الأمس لا يختفي تماما بل يترك بقايا صغيرة تعيش في داخله دون أن يشعر بها هذه البقايا قد تكون كلمة سمعها في لحظة ضعف أو موقفا مر به دون أن يفهم معناه في حينه أو حلما كان قريبا منه ثم ابتعد فجأة تظل هذه الأشياء ساكنة في أعماق
الإنسان كأنها آثار قديمة تحت الأرض لا يراها أحد لكنها تظل موجودة تنتظر لحظة تعود فيها للسطح ربما يحدث ذلك حين يسمع صوتا يشبه صوتا قديما أو يرى مكانا مر به من قبل أو يمر بنفس الشعور الذي عاشه في وقت بعيد عندها يفهم أن الماضي لم يكن مجرد وقت مضى بل تجربة تركت علاماتها في قلبه وفي طريقة تفكيره وفي نظرته للحياة فالإنسان لا يخرج من أيامه كما
دخلها بل يحمل معه دائما شيئا مما عاشه حتى لو ظن أنه نسيه
ومع مرور السنوات يتعلم أن هذه البقايا ليست عبئا كما كان يعتقد بل جزء من تكوينه لأنها تذكره بما مر به وتجعله أكثر فهما لنفسه وأكثر قدرة على قراءة مشاعر الآخرين أيضا فكل إنسان يحمل بداخله بقايا أمسه بطريقة أو بأخرى وعندما يتصالح مع هذه الفكرة يتوقف عن الهروب من الماضي أو محاولة إنكاره ويفهم أن الحياة
ليست فصلا واحدا يبدأ وينتهي بل سلسلة طويلة من اللحظات المتصلة التي تشكل في النهاية الحكاية الكاملة للإنسان وحين ينظر إلى نفسه بعد ذلك يرى أن بقايا الأمس لم تكن مجرد ذكريات بل كانت حجارة صغيرة ساهمت في بناء الشخص الذي أصبحه اليوم

تعليقات
إرسال تعليق