كتب/شعبان الأزهري
إذا كان لكل عصرٍ منارة، فإن الإمام الأكبر عبد الحليم محمود كان منارة الأزهر في السبعينيات، والرجل الذي أعاد للمشيخة هيبتها الروحية وعمقها الصوفي المنضبط بشرع الله. هو الشيخ الرابع والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر (تولى المشيخة 1973 - 1978 م)، ويُلقب بـ "أبي الأنبياء" و "غزالي العصر" لجمعه الفريد بين عقلانية الفيلسوف وشفافية العارف بالله.
النشأة: من "بلبيس" إلى "السوربون"
ولد الشيخ عبد الحليم محمود في قرية "السلام" بمركز بلبيس بمحافظة الشرقية عام 1328 هـ (1910 م). نشأ في بيئة صالحة، وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر الشريف.
لم يقف طموحه العلمي عند حدود المحلية، فسافر إلى فرنسا وحصل على الدكتوراه من جامعة "السوربون" في التصوف الإسلامي، وكانت رسالته عن "الحارث المحاسبي". هذه الرحلة جعلت منه عالماً يمتلك أدوات النقد الغربي ومنهجية البحث الحديثة، دون أن يفقد ذرة واحدة من إيمانه العميق وتواضعه الأزهري.
ملامح مشيخته: "عزة الأزهر" والجهاد الروحي
تولى الإمام المشيخة في وقت كانت الأمة تمر فيه بمنعطفات خطيرة، فترك بصمات لا تُمحى:
* استرداد هيبة المشيخة: يُذكر له موقفه الشهير حين قدم استقالته احتجاجاً على تقليص صلاحيات شيخ الأزهر في القانون، ولم يعد إلا بعد أن استُجيب لمطالبه، مؤكداً أن "شيخ الأزهر لا يقل قدراً عن رئيس الوزراء".
* بناء المعاهد الأزهرية: في عهده شهد الأزهر طفرة إنشائية هائلة؛ حيث تضاعف عدد المعاهد الأزهرية في القرى والمدن المصرية، رغبة منه في نشر العلم الشرعي في كل بيت.
* بشرى نصر أكتوبر: اشتُهر الشيخ برؤياه الصالحة قبل حرب أكتوبر 1973، حيث رأى رسول الله ﷺ يعبر قناة السويس ومعه العلماء والقوات المسلحة، فبشر الرئيس السادات بالنصر، مما كان له أثر معنوي عظيم في نفوس الجنود.
* التصوف السني: أعاد الاعتبار للتصوف كمنهج تربوي روحي بعيداً عن الخرافات، موضحاً أن التصوف هو "مقام الإحسان" والالتزام الكامل بالكتاب والسنة.
مواقفه العلمية ومنهجه
* الجمع بين الظاهر والباطن: كان يرى أن الفقه بلا تصوف جفاف، والتصوف بلا فقه انحراف. لذا كان يدعو دائماً لتهذيب النفس مع التمسك بالدليل الشرعي.
* مواجهة التيارات الإلحادية: وقف بحزم أمام الأفكار الماركسية والوجودية التي كانت منتشرة في ذلك الوقت، ورد عليها بكتب فلسفية وعلمية رصينة تخاطب العقل والوجدان.
تراثه العلمي (المكتبة المحمودية)
ترك الإمام أكثر من 100 مؤلف، تعد من كنوز الفكر الإسلامي، منها:
* قضية التصوف (المنقذ من الضلال): الذي يعد مرجعاً في فهم الروحانية الإسلامية.
* أوروبا والإسلام: دراسة مقارنة بين الفكر الغربي والإسلامي.
* التوحيد: شرح فيه العقيدة بأسلوب يجمع بين بساطة البيان وعمق البرهان.
* أسرار العبادات: غصت فيه بجمال الروح في الصلاة والحج والصيام.
الوفاة والرحيل
انتقل الإمام عبد الحليم محمود إلى جوار ربه في عام 1398 هـ (1978 م)، بعد عودته من رحلة الحج. رحل الإمام الذي كان يمشي بين الناس بسكينة الأولياء وعزة العلماء، مخلفاً وراءه "أزهراً" قوياً، وتلاميذ يحملون شعلة المنهج الوسطي.
بقي عبد الحليم محمود رمزاً للعالم الذي لم تفتنه أضواء المناصب، وظل قلبه معلقاً بالملكوت، ولسانه رطباً بذكر الله.

تعليقات
إرسال تعليق