كتب/ شعبان الأزهري
في تاريخ الأزهر المعاصر، يبرز اسم الإمام الأكبر محمد سيد طنطاوي كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً وجدلاً في آن واحد، ليس لشيء إلا لكونه عالماً امتلك شجاعة الفتوى واقتحام المسائل الشائكة بروح المفسر الواثق والفقيه المستنير. هو الشيخ السابع والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر (تولى المشيخة 1996 - 2010 م)، وصاحب التفسير الشهير الذي أدخل بيوت المسلمين ببساطته وعمقه.
النشأة: من "سليم الشرقية" إلى ريادة التفسير
ولد الشيخ طنطاوي في قرية "سليم الشرقية" بمحافظة سوهاج عام 1928 م. نشأ في صعيد مصر، حيث الأصالة والجدية، وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر الشريف. تخصص في التفسير وعلوم القرآن، وحصل على الدكتوراه في هذا الفن بمرتبة الشرف الأولى، ليبدأ رحلة أكاديمية وعلمية رصينة جعلت منه مرجعاً عالمياً في فهم النص القرآني.
قبل توليه مشيخة الأزهر، شغل منصب مفتي الديار المصرية لمدة عشر سنوات (1986 - 1996 م)، وهي الفترة التي صقلت خبرته في التعامل مع قضايا الجماهير المعاصرة قبل أن يجلس على كرسي الإمام الأكبر.
ملامح مشيخته: "الوسطية والوضوح"
اتسمت فترة إمامة الشيخ طنطاوي بالوضوح التام في المواقف، والابتعاد عن التقعر اللغوي أو الغموض الفقهي، ومن أبرز إنجازاته:
* تيسير التفسير: يعتبر كتابه "التفسير الوسيط للقرآن الكريم" من أهم الإنجازات العلمية في العصر الحديث، حيث استطاع أن يقرب معاني القرآن للعامة والمثقفين بأسلوب عصري يركز على الهداية والعمل.
* الاجتهاد في القضايا المالية: كان للشيخ آراء جريئة ومستنيرة في قضايا البنوك والمعاملات المالية المعاصرة، حيث كان يرى ضرورة تيسير حياة الناس بما لا يصادم صريح النص، مما فتح آفاقاً واسعة للاقتصاد الإسلامي الواقعي.
* دعم المرأة والأسرة: دافع بقوة عن حقوق المرأة التعليمية والاجتماعية، وكان يرى أن كرامة المجتمع من كرامة نسائه، وأصدر فتاوى عديدة تحمي حقوق المرأة في إطار الشريعة.
* الحوار بين الأديان: كان من أشد الداعين للحوار مع الآخر، ومواجهة فكر الصدام بالفكر القائم على المشتركات الإنسانية، ممثلاً الأزهر في كبرى المحافل الدولية بزي العالم الأزهري الوقور.
منهجه العلمي وشخصيته
* الصدق والشفافية: عُرف عن الشيخ طنطاوي أنه كان يقول ما يعتقده حقاً دون مواربة أو التفات لردود الأفعال، وكان يتمتع بروح متسامحة حتى مع من يختلفون معه بحدة.
* التركيز على التعليم: أولى اهتماماً كبيراً بتطوير المناهج الأزهرية، وكان يحرص على حضور مجالس العلم بنفسه ومناقشة الطلاب، مؤمناً بأن "العلم هو السلاح الوحيد لمواجهة التطرف".
التراث العلمي
ترك الإمام طنطاوي مكتبة عامرة، من أهم مقتنياتها:
* التفسير الوسيط للقرآن الكريم: (15 مجلداً) وهو درة أعماله.
* بنو إسرائيل في الكتاب والسنة: دراسة تاريخية وعقدية رصينة.
* معاملات البنوك وأحكامها الشرعية: كتاب ناقش فيه الرؤى الفقهية الحديثة.
* القصص القرآني: عرض بليغ لقصص الأنبياء والعبر المستفادة منها.
الوفاة والرحيل
في رحلة علمية إلى المملكة العربية السعودية، وفاضت روحه الطاهرة في مدينة الرياض عام 2010 م، ودُفن في "بقيع الغرقد" بالمدينة المنورة بجوار صحابة رسول الله ﷺ، وكأن القدر أراد أن يكرمه بجوار من أحب وفسر كلام ربه عنهم.
بقي محمد سيد طنطاوي مدرسة في "الوسطية الواقعية"، وعالماً أثبت أن قوة الأزهر تكمن في قدرته على محاورة العصر بلغة القرآن.

تعليقات
إرسال تعليق