كتب/ شعبان الأزهري
بحلول عام 1313 هـ (1895 م)، تولى سدة مشيخة الأزهر الشريف واحد من أعظم الشخصيات الإصلاحية في تاريخه الحديث، وهو الإمام حسونة بن عبد الله النواوي. يُعد الشيخ النواوي الإمام الحادي والعشرين في سلسلة مشايخ الأزهر، والرجل الذي استطاع بذكائه القانوني وعمق فقهه أن يقود المؤسسة العريقة وسط عواصف التغيير في نهاية القرن التاسع عشر.
النشأة: من "نواى" إلى رحاب الحنفية
ولد الشيخ حسونة في قرية "نواى" بمحافظة أسيوط عام 1255 هـ (1839 م). حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في قريته، ثم انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف.
كان النواوي حنفي المذهب، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره، وفي مقدمتهم الإمام محمد المهدي العباسي والشيخ الإنبابي. أظهر نبوغاً خاصاً في الفقه وأصوله، مما أهله للعمل في سلك القضاء الشرعي والتدريس في مدرسة "دار العلوم" والجامع الأزهر في آن واحد.
ملامح مشيخته: ثورة الإصلاح المؤسسي
تولى الشيخ النواوي المشيخة مرتين، كانت الأولى في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني. تميزت فترته بقرارات غيرت وجه الأزهر، ومن أهمها:
تنظيم الإدارة والتدريس: في عام 1896 م، صدر في عهده قانون تاريخي لتنظيم الأزهر، حيث تم تشكيل "مجلس إدارة الأزهر" برئاسته، وعضوية كبار العلماء، مما جعل القرار شورىً ومؤسسياً.
تطوير المناهج: شجع على إدخال العلوم الحديثة مثل الرياضيات والجغرافيا والتاريخ بجانب العلوم الشرعية، وكان يرى أن العالم الأزهري يجب أن يكون مدركاً لواقع عصره.
تأسيس المكتبة الأزهرية: يُنسب إليه الفضل الكبير في جمع المخطوطات المتناثرة في أروقة الأزهر ووضعها في مكان واحد منظم، لتصبح نواة لـ "المكتبة المركزية للأزهر" التي تعد اليوم من أعظم مكتبات العالم الإسلامي.
الجمع بين المشيخة والإفتاء: كما فعل أستاذه العباسي، جمع الشيخ النواوي بين منصب شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية، مما عزز من مكانته كمرجعية دينية عليا.
مواقفه الوطنية وصلابته
اشتهر الشيخ حسونة النواوي بصلابة الموقف وقوة الشكيمة في الحق. ومن أشهر مواقفه:
رفض تعديل قوانين القضاء الشرعي: عندما أرادت الحكومة (بإيعاز من سلطات الاحتلال البريطاني) تعديل بعض قوانين القضاء الشرعي بما يقلل من هيبة الشريعة، وقف الشيخ النواوي سداً منيعاً، وفضل الاستقالة من منصبه عام 1317 هـ على أن يوقع على ما لا يرضي ضميره العلمي.
دعم الحركة الوطنية: كان يحظى باحترام الزعماء الوطنيين، وعُرف عنه ميله لاستقلال القرار الأزهري عن رغبات القصر الملكي أو المندوب السامي البريطاني.
آثاره العلمية
رغم انشغاله بالقضاء والإدارة، ترك الشيخ النواوي مؤلفات هامة، منها:
سلم المسترشدين في أحكام الفقه والدين: وهو كتاب في جزأين يسهل أحكام العبادات والمعاملات على مذهب الإمام أبي حنيفة.
رسائل في القضاء الشرعي: وهي أبحاث قانونية فقهية كانت تهدف لتطوير أداء القضاة في المحاكم الشرعية.
وفاته وإرثه
توفي الإمام حسونة النواوي في عام 1343 هـ (1925 م). رحل الإمام الذي وصفه تلاميذه بـ "رجل النظام والعدل"، والذي مهد الطريق لإصلاحات الإمام محمد عبده والشيخ المراغي لاحقاً.
بقي اسم النواوي رمزاً للفقيه الذي لم يحبس نفسه في بطون الكتب القديمة فقط، بل طوع الفقه لخدمة المجتمع وبناء المؤسسات، ليبقى الأزهر منارة متجددة عبر العصور.

تعليقات
إرسال تعليق