كتب / شعبان الأزهري
في عام 1367 هـ (1948 م)، تولى سدة مشيخة الأزهر الشريف عالمٌ من طراز فريد، جمع بين الصرامة الأكاديمية والرؤية العالمية، وهو الإمام محمد مأمون الشناوي. هو الشيخ السابع والعشرون في سلسلة مشايخ الأزهر، والرجل الذي شهد عهده طفرة كبيرة في انتشار رسالة الأزهر خارج الحدود المصرية، ليرسخ مكانة هذه المؤسسة كمرجعية أولى للمسلمين في شتى بقاع الأرض.
النشأة: من "الزرقا" إلى ريادة الشريعة
ولد الشيخ مأمون الشناوي في بلدة "الزرقا" بمحافظة الدقهلية عام 1295 هـ (1878 م). نشأ في بيت علم وفضل، والتحق بالأزهر الشريف حيث أظهر تفوقاً باهراً في العلوم الشرعية واللغوية.
كان الشناوي شافعي المذهب، وعُرف بدقته المتناهية في البحث الفقهي. تدرج في المناصب العلمية والإدارية بالأزهر، وعمل قاضياً شرعياً، ثم رئيساً للمحكمة العليا، مما أكسبه حنكة قانونية وإدارية ساعدته كثيراً عندما تولى قيادة المؤسسة الأزهرية.
ملامح مشيخته: "الأزهر يغزو العالم بالعلم"
رغم أن فترة مشيخته لم تكن طويلة (1948 - 1950 م)، إلا أنها كانت مليئة بالمنجزات الاستراتيجية:
* التوسع في البعثات الخارجية: آمن الشيخ الشناوي بأن رسالة الأزهر يجب أن تصل إلى كل لسان، فوسع حركة البعثات العلمية إلى الخارج بشكل غير مسبوق، وأرسل العلماء إلى أوروبا وأمريكا لدراسة اللغات والعلوم الإنسانية، ليعودوا دعاةً قادرين على مخاطبة الغرب بلسانه.
* إنشاء المعاهد الأزهرية في الأقاليم: بذل جهداً كبيراً في نشر التعليم الأزهري داخل مصر، فأنشأ العديد من المعاهد الدينية في المدن والقرى، ليجعل العلم الشرعي متاحاً لكل راغب.
* استقطاب الطلاب الوافدين: في عهده، زاد عدد المنح الدراسية المخصصة للطلاب المسلمين من أفريقيا وآسيا، مما جعل "مدينة البعوث الإسلامية" لاحقاً ثمرة من ثمار رؤيته في احتضان أبناء العالم الإسلامي.
* دعم القضية الفلسطينية: تولى المشيخة في عام النكبة (1948 م)، وكان للأزهر في عهده صوت مدوٍ في الدفاع عن عروبة فلسطين وإسلامية القدس، وحث المسلمين على الجهاد والدعم المادي والمعنوي.
المواقفة العلمية والوطنية
* الاستقلالية والكرامة: عُرف عن الشيخ الشناوي هيبته ووقاره، وكان يرى أن شيخ الأزهر يجب أن يظل شامخاً ومستقلاً عن أهواء السياسة، مدافعاً عن حقوق العلماء وكرامتهم.
* الاعتدال الفكري: كان من دعاة المنهج الأزهري الوسطي، الذي يجمع بين التمسك بالأصول (النص) وبين مراعاة العصر (المصلحة)، وكان يشجع تلاميذه على البحث والنقد البناء.
الآثار العلمية
ترك الإمام الشناوي إرثاً من البحوث والمقالات الرصينة التي نُشرت في مجلة الأزهر، كما كانت له فتاوى قانونية وشرعية أثرت القضاء المصري، ومن أبرز آثاره ما كان يلقيه من خطب ومحاضرات توجيهية رسمت مسار الدعوة في عصره.
الوفاة والرحيل
انتقل الإمام محمد مأمون الشناوي إلى رحمة الله في عام 1370 هـ (1950 م). رحل الشيخ الذي وُصف بأنه "مهندس التوسع الأزهري"، تاركاً خلفه مؤسسة أكثر انفتاحاً على العالم، وجيلاً من العلماء الذين حملوا لواء الدعوة بلغات الأرض المختلفة.

تعليقات
إرسال تعليق