القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ عبد المجيد سليم: فقيه الأمة الصامد وإمام "الفتوى" الورع

 



كتب / شعبان الأزهري 


في تاريخ الأزهر الشريف، تبرز قامات لم تكن مجرد رموز دينية، بل كانت حصوناً منيعة للحق والعدل. ومن بين هؤلاء، يسطع اسم الإمام عبد المجيد سليم، الشيخ التاسع والعشرون في سلسلة مشايخ الأزهر، الذي تولى المشيخة مرتين (الأولى 1950-1951، والثانية 1952). لُقب بـ "فقيه الأمة" لما عُرف عنه من رسوخ في العلم، وصلابة في الحق، وزهدٍ قل نظيره.


النشأة: من "ميت شهالة" إلى قمة القضاء الشرعي


ولد الشيخ عبد المجيد سليم في قرية "ميت شهالة" بمحافظة المنوفية عام 1299 هـ (1882 م). تفوق في دراسته بالأزهر، وكان من أنبغ تلاميذ الإمام محمد عبده، حيث تشرب منه المنهج العقلي المقترن بالتمسك بالأصول.

كان الشيخ حنفي المذهب، وقد سلك طريق القضاء الشرعي لسنوات طويلة، وتدرج فيه حتى أصبح "مفتي الديار المصرية" لأكثر من عشرين عاماً. وخلال هذه الفترة، أصدر نحو 15 ألف فتوى، عُدت مراجع شرعية وقانونية لما اتسمت به من دقة، ومراعاة لمصالح الناس، وعمق استنباط.


ملامح مشيخته: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"


اتسمت فترة مشيخته بمواقف تاريخية سجلها له الدهر بمداد من نور:

 * الوقوف في وجه السلطة: اشتُهر بموقفه الصارم عندما طلبت منه الحكومة (في العهد الملكي) فتوى تساير رغبة سياسية معينة، فرد بكلمته الشهيرة: "إن فتوى الشيخ لا تُباع ولا تُشترى".

 * عندما أراد الملك فاروق بناء قصر والترف بإنفاق مبالغ طائلة، وكان الشعب يعاني، أطلق الشيخ كلمته التي هزت العرش: "تقتير هنا وإسراف هناك"، مما أدى لإقالته في المرة الأولى، لكنها رفعته في عيون الشعب إلى مرتبة الأبطال.

 * إصلاح المناهج: كان يرى أن الأزهر يحتاج دائماً إلى تنقية مناهجه وتطوير أسلوب التدريس، ليشمل العلوم الحديثة بجانب العلوم الشرعية، ليكون العالم الأزهري فاهماً لواقعه.


مواقفه العلمية والمنهجية


 * دقة الفتوى: كان الشيخ عبد المجيد سليم يتروى كثيراً قبل إصدار الفتاوى، خاصة في قضايا الأحوال الشخصية والمعاملات المالية، وكان يميل إلى التيسير الذي لا يخل بجوهر الشريعة.

 * استقلال الأزهر: ناضل طويلاً ليكون الأزهر مؤسسة مستقلة مالياً وإدارياً، بعيداً عن تدخلات الأحزاب السياسية أو القصر الملكي.


إرثه الفكري والعلمي


لم يتفرغ الشيخ للتأليف بالمعنى التقليدي، لكن تراثه الحقيقي يكمن في:

 * مجلدات فتاوى دار الإفتاء: التي تحمل بصمته الفقهية الفريدة.

 * الأحكام القضائية: التي أرساها خلال عمله في القضاء الشرعي، والتي أصبحت سوابق قضائية يُعتد بها.

 * تلاميذ المدرسة السليمية: جيل كامل من العلماء الذين تعلموا منه كيف يكون العالم صادعاً بالحق، زاهداً في المناصب.


الوفاة والرحيل


انتقل الإمام عبد المجيد سليم إلى رحمة الله في عام 1374 هـ (1954 م). رحل الشيخ الذي عاش عف النفس، طاهر اليد، لم يحنِ جبهته إلا لله.

سيبقى الشيخ عبد المجيد سليم في الذاكرة الإسلامية رمزاً لـ "العالم الرباني" الذي لا يخشى في الله لومة لائم، ومثالاً يحتذى به لكل من يتولى أمانة الفتوى والقيادة الدينية.

تعليقات