كتب / شعبان الأزهري
في عام 1370 هـ (1951 م)، آل منصب مشيخة الأزهر الشريف إلى عالم جليل عُرف بصلابة الرأي، وعمق الفهم، والزهد في المظاهر، وهو الإمام إبراهيم بن صالح بن نصر حمروش. هو الشيخ الثامن والعشرون في سلسلة مشايخ الأزهر، والرجل الذي جمع في صدره علوم اللغة العربية وأسرار الشريعة الإسلامية، ليكون خير خلف لخير سلف في مرحلة انتقالية هامة من تاريخ مصر.
النشأة: من "الخوالد" إلى عبقرية اللغة
ولد الشيخ إبراهيم حمروش في قرية "الخوالد" بمحافظة البحيرة عام 1297 هـ (1880 م). نشأ في بيئة ريفية تعتز بالدين والقيم، وحفظ القرآن الكريم قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف.
كان حمروش حنفي المذهب، وبرز بشكل استثنائي في علوم اللغة (النحو والصرف والبلاغة)، حتى أصبح واحداً من كبار أساطينها في عصره. تتلمذ على يد قامات كبرى مثل الشيخ سليم البشري والشيخ محمد بخيت المطيعي، واستقى منهم دقة البحث ومنهجية التفكير.
ملامح مشيخته: هيبة المنصب وعفة النفس
رغم قصر الفترة التي قضاها في المشيخة (حوالي عام واحد)، إلا أنها كانت كافية ليترك أثراً في نفوس العلماء والطلاب:
* رفض المحسوبية: عُرف عن الشيخ حمروش تمسكه الشديد بالعدل؛ فكان يرفض أي وساطة في التعيينات أو الترقيات بالأزهر، مؤمناً بأن المعيار الوحيد هو الكفاءة العلمية والتقوى.
* النهوض بمجمع اللغة العربية: كان عضاً بارزاً في "مجمع اللغة العربية" بالقاهرة، واستثمر علمه اللغوي في مشيخته ليرفع من شأن الدراسات الأدبية واللغوية في كليات الأزهر، معتبراً اللغة العربية هي الحصن الحصين لفهم الدين.
* علاقة الاحترام مع الدولة: تولى المشيخة في أواخر العهد الملكي، وحافظ على مسافة وقار واستقلال للمؤسسة الأزهرية، وكان صوته دائماً يميل إلى الهدوء والحكمة في معالجة الأزمات.
مواقفه العلمية والوطنية
* الزهد المطلق: يُحكى عنه أنه كان يعيش حياة بسيطة للغاية، ولم تغيره المناصب الرفيعة التي تقلدها (رئاسة كلية اللغة العربية، عضوية هيئة كبار العلماء، ثم المشيخة).
* الدفاع عن التراث: كان يرى أن التطوير لا يعني القطيعة مع القديم، بل هو فهم التراث فهماً عميقاً وتنزيله على الواقع المعاصر، ولذلك كان يشجع على قراءة أمهات الكتب بأساليب حديثة.
آثاره العلمية
لم يترك الشيخ حمروش مؤلفات ضخمة من حيث العدد، لكنه ترك آثاراً نوعية من حيث القيمة، منها:
* أبحاث لغوية ونحوية: نُشرت في مجلة الأزهر ومجلات مجمع اللغة العربية، وتعتبر مراجع في حل عويص المسائل النحوية.
* تقريرات على المتون: كان له حواشي وتقريرات شفوية ومكتوبة تداولها تلاميذه في الفقه الحنفي وأصوله.
* مذكرات في إصلاح التعليم: قدم رؤى هامة حول تطوير المعاهد الأزهرية والمناهج التعليمية.
الاستقالة والرحيل
في عام 1952 م، قدم الشيخ إبراهيم حمروش استقالته من منصب المشيخة، مفضلاً التفرغ للعلم والعبادة، وهو موقف يعكس عفة نفسه وعدم تمسكه بالجاه.
انتقل إلى رحمة الله في عام 1380 هـ (1960 م). رحل الشيخ الذي وُصف بـ "الفقيه اللغوي"، تاركاً سيرة عطرة لعالم لم تفتنه الدنيا، وظل مخلصاً لرسالة الأزهر حتى الرمق الأخير.

تعليقات
إرسال تعليق