بقلم/نشأت البسيوني
يمر الإنسان في حياته بلحظات كثيرة تبدو في وقتها عادية جدا لا تحمل أي معنى خاص فيظن أنها مجرد وقت عابر سيختفي مثل غيره من الأوقات لكن المفاجأة أن هذه اللحظات نفسها قد تتحول بعد سنوات إلى ذكريات عميقة يدرك الإنسان متأخرا كم كانت ثمينة فالإنسان بطبيعته يعيش اللحظة دون أن يعرف وزنها الحقيقي لأنه يكون مشغولا دائما بما سيأتي بعد ذلك يفكر في الغد
أكثر مما يفكر في اليوم وينشغل بما لم يحدث بعد أكثر مما ينتبه لما يحدث أمامه الآن ولهذا تمر الأيام كأنها متشابهة صباح يشبه صباحا آخر وطريق يشبه طريقا آخر ووجوه نراها كل يوم دون أن نتخيل أن يوما سيأتي فنشتاق إليها قد يجلس الإنسان مع أشخاص يحبهم كثيرا لكنه لا يتخيل أن هذه الجلسات البسيطة قد تصبح بعد سنوات ذكرى بعيدة يتمنى لو يستطيع العودة إليها ولو لدقائق
قليلة وقد يسير في طريق اعتاد المرور به كل يوم دون أن يشعر أن هذا الطريق نفسه قد يصبح في يوم من الأيام جزءا من الماضي لا يمكن استعادته كما كان فالإنسان لا يشعر بقيمة اللحظة وهو يعيشها بل يشعر بها عندما تتحول إلى ذكرى وعندما يصبح الوصول إليها مستحيلا كما كان في السابق حينها فقط يبدأ العقل في استرجاع التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يهتم بها صوت كان
يسمعه كل يوم ضحكة كان يراها عادية مكان كان يجلس فيه دون أن يتوقف عنده طويلا كل هذه الأشياء تعود فجأة إلى الذاكرة وكأنها تريد أن تقول إن اللحظات التي بدت عادية كانت تحمل في داخلها شيئا جميلا لم ندركه في وقته ولهذا يشعر الإنسان أحيانا بشيء من الحنين دون أن يعرف السبب قد يتذكر يوما عاديا مر منذ سنوات فيبتسم أو يشعر بشيء من الشوق وكأن تلك اللحظة
البسيطة كانت تحمل دفئا خاصا لم ينتبه إليه إلا بعد أن ابتعد عنها
الحياة تعلم الإنسان هذا الدرس بهدوء مع مرور الوقت تعلمه أن قيمة اللحظات لا تقاس بحجم الحدث بل بما تحمله من شعور صادق في داخل القلب فقد تكون لحظة صمت بين شخصين أقرب إلى القلب من كلمات كثيرة وقد تكون جلسة بسيطة مع صديق أصدق من احتفال كبير لا يحمل أي معنى حقيقي ومع تقدم العمر
يبدأ الإنسان في فهم هذه الحقيقة أكثر فيحاول أن يعيش لحظاته بوعي أكبر وأن ينتبه إلى التفاصيل الصغيرة التي كان يتجاهلها في السابق ليس لأن الحياة أصبحت أبطأ بل لأن الإنسان أصبح أكثر إدراكا أن ما يمر الآن قد يصبح بعد سنوات جزءا من الذكريات التي لا يمكن إعادتها يكتشف الإنسان أن اللحظات التي لم يعرف قيمتها في وقتها كانت في الحقيقة جزءا من أجمل ما عاشه وأن الحياة لم
تكن فقيرة كما كان يظن بل كانت مليئة بلحظات جميلة مرت بهدوء دون أن نتوقف لننظر إليها كما تستحق

تعليقات
إرسال تعليق