القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ شمس الدين الإنبابي: "شيخ الجماعة" وحارس التراث الأزهري

 



كتب /شعبان الأزهري 


بعد استقالة الإمام محمد المهدي العباسي من مشيخته الأولى، وقع الاختيار في عام 1304 هـ (1886 م) على عالم استثنائي ليكون الشيخ العشرين للأزهر الشريف، وهو الإمام شمس الدين محمد بن محمد بن حسين الإنبابي. لُقب بـ "شيخ الجماعة" و"سند المدرسين"، وكان يمثل ذروة المدرسة التقليدية في التحقيق والتدقيق الفقهي واللغوي.


النشأة: من "إنبابة" إلى قمة الهرم العلمي


ولد الشيخ الإنبابي في القاهرة عام 1240 هـ (1824 م)، وتعود أصول أسرته إلى بلدة "إنبابة" (إمبابة حالياً). نشأ في بيئة صالحة، والتحق بالأزهر الشريف حيث أظهر شغفاً فائقاً بالكتب والمتون.

كان الإنبابي شافعي المذهب، وتتلمذ على يد كبار أئمة القرن التاسع عشر، ومن أبرزهم الإمام إبراهيم الباجوري (الشيخ السابع عشر)، الذي توسم فيه النبوغ وقربه إليه. عُرف الإنبابي بذكائه الوقاد وحافظته القوية، حتى صار يُضرب به المثل في استحضار المسائل العويصة في الفقه والنحو.


ملامح مشيخته: التواضع في زمن الوجاهة


تولى الشيخ الإنبابي المشيخة في عهد الخديوي توفيق، وكانت فترة دقيقة في تاريخ مصر بعد الاحتلال البريطاني. تميزت مشيخته بملامح فريدة:

الزهد المطلق: رغم تبوأه أعلى منصب ديني، ظل الإنبابي يعيش حياة الزاهدين. كان يرفض المظاهر البراقة والمواكب التي كانت تصاحب المشايخ عادة، وظل بيته مفتوحاً للطلاب والمحتاجين دون حراس أو حجاب.

دعم التعليم المستمر: كان يرى أن العالم لا يتوقف عن التعلم، فكان يحضر دروس زملائه وتلاميذه أحياناً تواضعاً منه، وشجع على تعميق دراسة العلوم اللغوية باعتبارها مفتاحاً لفهم الشريعة.

إصلاح الأوقاف والأروقة: عمل على تنظيم أموال الأوقاف الخاصة بالأزهر لضمان وصولها إلى مستحقيها من الطلاب والفقراء، وكان حريصاً على ترميم الجامع وصيانة مرادفه.


آثاره العلمية: "تقريرات" لا يستغني عنها عالم


عُرف الإنبابي بلقب "صاحب التقريرات"، لأن

 تعليقاته على الكتب كانت تضبط المسائل وتحسم الخلافات، ومن أهم آثاره:

تقريرات على حاشية الباجوري: في فقه الشافعية، وهي من أهم ما كتب في ضبط مذهب الإمام الشافعي.

تقريرات على شرح الأشموني: في علم النحو، وتعتبر مرجعاً لا يستغني عنه المتخصصون في اللغة العربية.

تقريرات على شرح السعد التفتازاني: في البلاغة والمنطق.

رسالة في الصيام: ورسائل أخرى في العبادات تميزت بالدقة والوضوح.


استقالته ووفاته


كان الشيخ الإنبابي مثالاً للعالم الذي لا يتمسك بالمنصب إذا رأى أنه لا يستطيع تحقيق الإصلاح المنشود؛ فقدم استقالته مرتين، كانت الأخيرة في عام 1313 هـ بسبب ظروفه الصحية وتفضيله للتفرغ للعبادة والتدريس.

انتقل إلى رحمة الله في عام 1313 هـ (1896 م). رحل "شيخ الجماعة" الذي حافظ على هيبة الأزهر العلمية والروحية، وترك خلفه جيلاً من العلماء الذين تتلمذوا على "تقريراته"، ليبقى اسمه علامة بارزة في تاريخ المشيخة كعالم جمع بين سعة الاطلاع وقمة التواضع.

تعليقات