القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد بن أحمد العروسي: الإمام الثالث عشر وامتداد الدوحة العلمية

 



كتب / شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ عبد الله الشرقاوي في عام 1227 هـ، اتجهت الأنظار صوب بيت علمي عريق لملء هذا المنصب الرفيع، فتم اختيار الإمام محمد بن أحمد بن موسى العروسي ليكون الشيخ الثالث عشر للأزهر الشريف. لم تكن هذه الاختيارات مجرد توريث للمكانة، بل كانت إقراراً بنبوغ هذا العالم الذي نهل من معين والده (الشيخ أحمد العروسي، الإمام الحادي عشر) واستقل بشخصية علمية فذة.


النشأة والتكوين: في رحاب العلم والوقار


ولد الشيخ محمد العروسي في القاهرة، ونشأ في كنف والده الإمام الأكبر، مما وفر له بيئة تعليمية قلما توفرت لغيره. حفظ القرآن الكريم وتلقى مبادئ العلوم الشرعية واللغوية في سن مبكرة، ثم انخرط في حلقات الدرس بالأزهر الشريف.

كان العروسي شافعي المذهب، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره، ومنهم والده الشيخ أحمد العروسي، والشيخ محمد بن سالم الحفني، والشيخ المرتضى الزبيدي صاحب "تاج العروس". عُرف عنه الورع الشديد، والهدوء الرصين، والقدرة الفائقة على تبسيط أعقد المسائل الفقهية لطلابه.


ملامح مشيخته: العلم في زمن التحولات


تولى الشيخ محمد العروسي المشيخة في عام 1127 هـ (1812 م)، وهي فترة كانت تشهد استقرار حكم محمد علي باشا وبداية بناء الدولة المصرية الحديثة. تميزت فترة مشيخته بـ:

 * صون استقلال العلم: رغم قوة شكيمة محمد علي باشا، إلا أن الشيخ العروسي حافظ على وقار المشيخة واستقلالها الروحي، وكان محل احترام وتقدير كبيرين من الوالي الذي عرف قدر علمه وزهده.

 * إصلاح أحوال المجاورين: اهتم الشيخ بشكل خاص بطلبة الأزهر (المجاورين)، وعمل على تحسين أرزاقهم وتنظيم أوقافهم، وكان يرى أن كرامة العالِم تبدأ من كفايته المادية.

 * المرجعية الفقهية: برز كواحد من أدق فقهاء الشافعية في عصره، وكانت فتاواه تتسم بالواقعية ومراعاة مصالح الناس، مع التمسك التام بأصول الشريعة.


آثاره العلمية


لم يترك الشيخ محمد العروسي مؤلفات ضخمة من حيث العدد، لكنه ترك حواشي وتعليقات تعتبر من نفائس الفقه الشافعي، منها:

 * حاشية على شرح "المنهج": في فقه الشافعية، وهي من المراجع التي أثنى عليها العلماء لدقتها.

 * تعليقات على كتب المنطق واللغة: أظهرت تبحره في العلوم العقلية والآلية.

 * تقريرات علمية: كانت تُتداول بين طلابه وتعتبر مفاتيح لفهم أمهات الكتب الفقهية.


وفاته وإرثه الخالد


انتقل الإمام محمد العروسي إلى رحمة الله في عام 1244 هـ (1829 م). وبوفاته، فقد الأزهر عالماً ربانياً عاش بعيداً عن صخب السياسة، مخلصاً لمحراب العلم والتعليم.

يُذكر للشيخ محمد العروسي أنه كان جسراً أميناً نقل تراث الرعيل الأول من مشايخ الأزهر إلى الأجيال التي عاصرت نهضة مصر الحديثة، كما أنه أثبت بمسيرته أن "بيت العروسي" سيظل منارة كبرى في تاريخ المشيخة، حيث تولى حفيده الشيخ مصطفى العروسي المنصب لاحقاً كإمام ثانٍ وعشرين للأزهر.

تعليقات