القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ عبد الله الشرقاوي: إمام الصمود وقائد الثورة ضد الفرنسيين

 


كتب/ شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ أحمد العروسي، تولى مشيخة الأزهر الشريف واحد من أكثر الشخصيات تأثيراً في تاريخ مصر الحديث، وهو الإمام عبد الله بن حجازي بن إبراهيم الشرقاوي، ليصبح الشيخ الثاني عشر للأزهر. لم تكن مشيخته (التي بدأت عام 1208 هـ / 1793 م) مجرد فترة لتعليم الطلاب، بل كانت ملحمة وطنية خاضها الأزهر ضد الاستعمار والظلم.


من ريف الشرقية إلى زعامة الأمة


ولد الشيخ الشرقاوي في قرية "الطويلة" بمحافظة الشرقية عام 1150 هـ. حفظ القرآن الكريم في القرية ثم انتقل للأزهر الشريف، حيث تخصص في المذهب الشافعي. تتلمذ على يد أساطين العلم مثل الشيخ الحفني والشيخ الدمنهوري، وبرع في الفقه والحديث والتصوف، لكن ما ميزه حقاً كان "فقه الواقع" وقدرته على قيادة الجماهير.


"زعيم الشعب" في مواجهة نابليون


تعد فترة مشيخة الشرقاوي من أخطر الفترات التي مرت على مصر، حيث شهدت الحملة الفرنسية عام 1798 م. وظهر دور الشيخ الشرقاوي في مواقف تاريخية خالدة:

 * قيادة المقاومة: عندما دخل نابليون بونابرت مصر، كان الشيخ الشرقاوي هو المتحدث باسم الشعب. قاد الوفود للتفاوض، لكنه في الوقت ذاته كان الروح المحركة لثورات القاهرة ضد المحتل.

 * رفض الإغراءات: حاول نابليون استمالة الشيخ الشرقاوي بشتى الطرق، حتى إنه ألبسه "الوشاح الفرنسي" ذا الألوان الثلاثة، فما كان من الشيخ إلا أن ألقاه أرضاً برأس مرفوعة، معلناً رفضه الانصياع لسلطة غير إسلامية.

 * عضوية الديوان: وافق على دخول "ديوان القاهرة" الذي أنشأه الفرنسيون، لا حباً فيهم، بل ليحمى دماء المصريين ويكون عيناً للأمة تراقب تحركات العدو.


صانع الملوك: اختيار محمد علي باشا


لم يقتصر دور الشيخ الشرقاوي على مواجهة الفرنسيين، بل كان له الفضل الأكبر في تأسيس الدولة المصرية الحديثة. في عام 1805 م، قاد الشيخ الشرقاوي مع العلماء والزعماء الشعبيين (مثل عمر مكرم) ثورة ضد الوالي العثماني الظالم "خورشيد باشا".

وكان الشيخ هو من وضع شروط الولاية على محمد علي باشا، قائلاً له جملته الشهيرة:

"بشرط أن تسير فينا بالعدل، وألا تبرم أمراً إلا بمشورتنا".


مؤلفاته العلمية


رغم انشغاله بالسياسة والمقاومة، ترك الشيخ الشرقاوي مؤلفات هامة تدل على رسوخ قدمه في العلم، منها:

 * تحفة الناظرين فيمن ولي مصر من الملوك والسلاطين: كتاب تاريخي هام يوثق حكام مصر.

 * فتح المبدي بشرح مختصر الزبيدي: في علم الحديث.

 * رسائل في العقيدة والتصوف: تعكس مشربه الروحي الخلوتي.


رحيل الإمام المناضل


توفي الشيخ عبد الله الشرقاوي في عام 1227 هـ (1812 م). رحل الإمام الذي علم المصريين أن "العالم" ليس من يحبس نفسه بين الكتب، بل هو من يخرج ليقود الشعب في لحظات الخطر، ويواجه المدافع بالكلمة الحرة والموقف الشجاع.

تعليقات