كتب / شعبان الأزهري
بعد انتقال الشيخ محمد العروسي إلى الرفيق الأعلى، وقع اختيار علماء الأزهر الشريف وأعيان مصر على عالم جليل اتسم بالزهد الشديد والورع المنقطع النظير، وهو الإمام أحمد بن علي بن أحمد الدمهوجي، ليصبح الشيخ الرابع عشر في سلسلة مشايخ الأزهر العظام. تولى المنصب في عام 1244 هـ (1829 م)، ورغم أن فترة مشيخته كانت من أقصر الفترات في تاريخ المنصب، إلا أن شخصيته تركت أثراً طيباً في قلوب معاصريه.
النشأة والتكوين: من قرية "دمهوج" إلى أروقة العلم
ولد الشيخ الدمهوجي في قرية "دمهوج" التابعة لمحافظة المنوفية عام 1176 هـ. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية، ثم شد الرحال إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، منارة العلم في ذلك العصر.
كان الدمهوجي شافعي المذهب، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره الذين عاصروا نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، ومن أبرزهم الشيخ أحمد العروسي (الشيخ الحادي عشر) والشيخ عبد الله الشرقاوي. برع الدمهوجي في علوم الفقه والحديث، وعُرف بدقته في فهم المتون الفقهية وقدرته على استنباط الأحكام بوقار وهدوء.
ملامح مشيخته: هيبة الزهد ووقار المنصب
تولى الشيخ الدمهوجي المشيخة في وقت كانت فيه مصر تحت حكم محمد علي باشا، وكانت الدولة تمضي قدماً في طريق التحديث. تميزت فترة مشيخته، على قصرها، بملامح هامة:
* رفض المنصب زهداً: يُروى أن الشيخ الدمهوجي لم يطلب المشيخة بل فُرِضت عليه فرضاً لمكانته العلمية، وقد قبلها تحت إلحاح العلماء والوالي، مما يعكس صورة العالم الرباني الذي لا يلهث وراء الألقاب.
* الاستقامة والعدل: حافظ على تقاليد الأزهر العريقة، وكان حريصاً على إقامة العدل بين الطلاب والمدرسين، ولم تتبدل حاله بعد تولي المنصب، فظل على بساطته وتواضعه المعهود.
* تقدير الوالي: رغم قصر مدته، نال احترام محمد علي باشا، الذي كان يرى فيه نموذجاً للعالم الورع الصادق، مما ساعد في الحفاظ على مكانة الأزهر في ظل التحولات الكبرى التي كانت تشهدها البلاد.
آثاره العلمية
بسبب انشغاله الطويل بالتدريس وتورعه عن الشهرة، لم يترك الشيخ الدمهوجي مؤلفات ضخمة، بل تركزت جهوده في:
* الشروح الشفهية: كانت دروسه في فقه الشافعية مقصداً للطلاب الذين يبحثون عن عمق الفهم وبساطة التعبير.
* التقريرات الفقهية: ترك بعض الحواشي والتعليقات على الكتب الدراسية المعتمدة في الأزهر، والتي ساعدت الطلاب في فهم المسائل المعقدة.
وفاته ورحيله المفاجئ
لم تدم مشيخة الشيخ أحمد الدمهوجي سوى بضعة أشهر (نحو ستة أشهر فقط)، حيث وافته المنية في نفس العام الذي تولى فيه المشيخة 1244 هـ (1829 م). وكان لوفاته المفاجئة وقع حزين على الأوساط العلمية في مصر، حيث رآه الكثيرون فصلاً قصيراً لكنه نقي في تاريخ الأزهر.
دُفن الإمام الدمهوجي بالقرب من أسلافه من العلماء، وترك خلفه سيرة عطرة لعالم لم يغيره بريق المنصب، فدخل تاريخ الأزهر كأحد الزهاد الذين شرفوا الكرسي بعلمهم وتقواهم.

تعليقات
إرسال تعليق