بقلم/نشأت البسيوني
هناك لحظة يكتشف فيها الإنسان أن الطريق الذي يسير فيه لم يعد يشبهه وأن العلامات التي كان يظنها دلائل واضحة لم تعد تقوده إلى الوجهة التي ظنها يوما قريبة ومع ذلك يستمر في السير لا لأنه متمسك بالأمل بل لأن الخطوة نفسها تصبح جزءا من هويته جزءا من مقاومته للصمت والسقوط والضياع ومع هذا الاستمرار يتبدل شيء داخلي لا يلمحه أحد يتغير الإيقاع يهدأ القلب يتعلم أن يدير
ظهره للضجيج ويتعامل مع الاتجاهات الجديدة بوعي لم يكن يملكه ذات يوم فالإنسان حين يتعب لا يتوقف كما يظن الآخرون بل يتحول يتحرك ببطء لكنه يتحرك يتنفس بثقل لكنه يتنفس ويجمع ذاته من شتات الأيام دون أن يشعر أحد بما يفعل وفي لحظات كثيرة كنا نظن أننا ضعنا فيها كنا في الحقيقة نعاد تشكيلنا كانت الأيام تصقلنا بطريقة لا يمكن شرحها حتى لنا أنفسنا ومن شدة
الانشغال بما فقدناه لم نلتفت إلى ما كسبناه من قوة وبصيرة وقدرة على فهم الأشياء بعمق يجعلنا نميز بين ما يستحق البقاء وما يجب أن نتركه دون رجعة ومع الوقت يدرك الإنسان أن الطريق لا يتغير فجأة بل يبدأ بالميل الخفيف الذي لا ننتبه له ثم يتسع هذا الميل حتى نصحو ذات صباح وندرك أننا في اتجاه مختلف تمامًا ومع ذلك لا نشعر بالغربة لأن الروح تكون قد سبقتنا بخطوات كثيرة وكانت
تمهد هذا التحول دون أن نعلم وحين ينظر الإنسان خلفه يكتشف أن ما اعتقد أنه ضياع كان في الحقيقة إنقاذا وأن ما حسبه سقوطا كان وقفة ضرورية تمنحه نظرة أكثر صدقا وأن كل عثرة في الطريق كانت جزءا من معزوفة أكبر لم نفهم لحنها إلا بعد أن صرنا أقوى يصل الإنسان إلى نقطة يدرك فيها أن الطريق لا يطلب منه أن يكون مثاليا ولا أن يفهم كل شيء بل يطلب شيئا واحداً فقط أن
يواصل السير أن يحمل قلبه كما هو بطمحه وخوفه وتردده وقوته أن يسمح لنفسه بأن يخطئ ويتعلم ويتغير وأن يعرف أن التغير ليس خيانة للقديم بل إنقاذ لما تبقى من روحه وهكذا يمضي دون أن يشعر أنه تغير ومع ذلك كل شيء فيه أصبح مختلفا أكثر نضجا أكثر صمتا أكثر قدرة على فهم أن الطريق حين يتغير لا يحتاج منا سوى أن نغير وعينا ثم نتابع السير بثبات

تعليقات
إرسال تعليق