القائمة الرئيسية

الصفحات

حين يولد الإبداع من عمق التجربة. . الوطن اليوم ـ حصري

 


بقلم/نشأت البسيوني 


في زمن ازدحم بالوجوه التي تبحث عن شهرة سريعة ومجد زائف يلمع للحظة ثم يختفي تبقى هناك فئة قليلة مختلفة تماما فئة لا ترى الفن كوظيفة ولا كجسر يعبر بها إلى الأضواء بل كحقيقة داخلية أكبر من أي منصب وأكبر من أي تصفيق فالفنان الحقيقي لا ينتظر أن يمنحه أحد قيمة لأنه يعرف جيدا أن قيمته تولد معه وتكبر من خلال تجاربه وتفاصيله واندماجه العميق مع شغفه الذي 


لا يتوقف لحظة واحدة إن قوة الإبداع لا تأتي من أدوات باهظة أو من أجهزة متطورة ولا من كلمات معلقة في الهواء بل تأتي من صدق الموهبة ومن اليد التي تعرف كيف تتعامل مع الجمال كأنه كائن حي يحتاج إلى فهم وحس وإحساس قبل أي تقنية فهناك من يظن أن الفن مجرد خطوات تنفذ أو ألوان ترص أو فرشاة تتحرك ولكن الحقيقة أن الفن حالة نفسية وروحية وعقلية تبدأ قبل أن 


يلمس الفنان أدواته وتستمر معه حتى بعد أن ينتهي من العمل لأن الإبداع ليس صورة تلتقط بل تأثير يصمد في الذاكرة مهما مر عليه الوقت والطريق إلى الإبداع لم يكن يوما طريقا سهلا بل طريق طويل مليء بمحاولات وصبر وخطوات يتعلم منها الفنان كيف يصبح أكثر دقة وأكثر وعيا وأكثر قدرة على تحويل أشياء بسيطة إلى بصمة لا تتكرر فالموهوب يضع لمساته بوعي لا يراه إلا من يفهم 


الفن أما من لا يعرف قيمة الفن فقد يمر على العمل دون أن يتوقف لكنه لا يدرك أن وراء كل خط وكل ظل وكل مزج لون حكاية تعب وسهر ووقت وجهد وفهم عميق لصنعة لا يتقنها إلا القليل ولهذا يبقى الفرق بين من يعمل وبين من يبدع فرقا واضحاً لا يمكن إخفاؤه فهناك من ينفذ العمل وهناك من يمنح العمل روحا وفي عالم المكياج تحديدا يظهر هذا الفرق بوضوح هناك من يضع مكياجا 


فقط ليغير شكلا أو يغطي عيبا أو يصنع شكلاً مختلفا للحظات وهناك من يفهم أن المكياج فن وتعبير وأن كل لمعة لها معنى وكل خط له سبب وكل تدرج لوني له هدف وأن الوجه ليس سطحا بل مساحة يقرأها الفنان كما يقرأ الشاعر القصيدة وكما يقرأ الرسام اللوحة فالفنان الحقيقي حين يعمل يشعر أنه يعيد تشكيل الجمال ويمنحه حياة وليس مجرد لمسة عابرة ومع ذلك يظهر في كل 


مجال من يحاول تجاهل الموهوبين أو التقليل من حضورهم أو تجاوز أعمالهم أو تقديم من هم أقل قيمة عليهم لأسباب لا علاقة لها بالموهبة ولكن هذا التجاهل لا ينقص من قدر الفنان الحقيقي بل يكشف قيمة موهبته أكثر لأن العمل الذي يتجاهل رغم قوته يظل شاهدا على بصمة لا يستطيع أحد أن ينكرها فالتجاهل لا يلغي القيمة بل يبرزها أكثر لأنه يجعل الفرق بين الحقيقي والزائف 


واضحا والفنان الذي يعرف قيمته لا يتأثر بمن يتخطيه ولا بمن يحاول أن يضعه في الصفوف الخلفية ولا بمن يرفع من لا يستحق بل يبقى ثابتا صلباً واثقاً أن مكانه الحقيقي لا يصنعه أحد ولا يحدده أحد ولا من حق أحد أن يهمشه لأن الإبداع قوة لا تقاس بمنصة ولا تقاس بنشر أو عدم نشر ولا تقاس بمن يراه اليوم ويغض الطرف عنه غدا الإبداع يقاس بالتاريخ وبالذاكرة وبالأثر الذي يتركه 


الفنان حين يمر اسمه أمام من يعرف قيمة العمل الراقي وهكذا يبقى الفنان الحقيقي أكبر من أي تجاهل وأعلى من أي محاولة لإخفاء حضوره وأقوى من كل محاولة لخفض صوته لأنه ليس بحاجة إلى ضوء إضافي ليظهر هو في حد ذاته ضوء لا ينطفئ وشغفه هو الوقود الذي يجعله يسبق كل من يظنون أنهم سبقوه فالمواهب الحقيقية لا تموت ولا تدفن ولا تهمل بل تعود دائما 


لتفرض نفسها مهما حاول البعض تأخيرها واليوم الذي يظهر فيه الفنان الحقيقي هو اليوم الذي يشعر فيه الجميع أن كل من تم تقديمهم قبله لم يكونوا أكثر من أصوات عابرة بينما هو الصوت الذي يبقى

تعليقات