كتب/ شعبان الأزهري
تعد الحروب من أشد الابتلاءات التي تمر بها الأمم، فهي لا تختبر القوة العسكرية فحسب، بل تختبر جوهر الإنسان، وقوة مبادئه، ومدى تماسكه النفسي والروحي. وفي زمن الحرب، تبرز شخصية المسلم كنموذج يوازن بين الواجب الشرعي، الإنسانية الراقية، واليقين المطلق بالله.
أولاً: الثبات النفسي واليقين بالله
في غمرة الدخان وأصوات المدافع، يجد المسلم ملاذه في الإيمان بالقضاء والقدر. هذا الإيمان ليس استسلاماً سلبياً، بل هو قوة دافعة تمنع الانهيار النفسي.
* الصبر والمصابرة: يدرك المسلم أن المحن تمحيص للقلوب، كما قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}.
* السكينة وسط الفوضى: الصلاة والذكر يمنحان المسلم طمأنينة تجعل قراراته موزونة بعيدة عن التخبط الناتج عن الذعر.
ثانياً: أخلاقيات الحرب (فروسية لا تعرف الغدر)
الإسلام وضع "دستوراً" للحرب قبل المنظمات الدولية بقرون. المسلم في الميدان ليس آلة قتل، بل هو صاحب رسالة، يلتزم بضوابط صارمة حتى في أحلك الظروف:
* عدم الاعتداء: لا يقتل طفلاً، ولا امرأة، ولا شيخاً، ولا راهباً في صومعته.
* حماية البيئة والممتلكات: يُمنع حرق الأشجار، أو هدم البيوت بلا ضرورة، أو قتل الأنعام إلا للأكل.
* الوفاء بالعهود: الغدر ليس من شيم المسلم؛ فكلمته ميثاق لا ينقض حتى مع الأعداء.
ثالثاً: التكافل الاجتماعي والواجب الإنساني
زمن الحرب هو زمن "الجسد الواحد". لا يقتصر دور المسلم على الدفاع، بل يمتد ليشمل تضميد الجراح وإغاثة الملهوف:
* إيثار المحتاج: تقاسم لقمة العيش مع النازحين والمنكوبين.
* كفالة اليتيم والأرملة: السعي على احتياجات من فقدوا معيلهم جراء الحرب.
* محاربة الإشاعات: المسلم يكون مصدر طمأنينة، يتبين الأخبار ولا ينشر ما يثير الرعب أو يخدم الحرب النفسية للعدو.
القوة المنضبطة
إن المسلم في زمن الحرب هو ذاك الذي يحمل السيف في يد والرحمة في القلب. هو الذي يدافع عن حقه بكرامة، ولا يبغي في الأرض فساداً، ويظل يقينه ثابتاً بأن العاقبة للمتقين، وأن السلام العادل هو الغاية الأسمى التي يسعى إليها الكون.
"الحرب تظهر أقبح ما في البشر، لكنها تمنح المؤمن فرصة لإظهار أجمل ما في قيم دينه."

تعليقات
إرسال تعليق