كتب/ شعبان الأزهري
بعد رحيل الإمام المجدد حسن العطار، وقع الاختيار في عام 1250 هـ (1835 م) على عالم جليل ليكون الشيخ السادس عشر للأزهر الشريف، وهو الإمام حسن بن برهان الدين القويصني. وعلى الرغم من أنه كان فاقداً للبصر، إلا أن بصيرته النافذة وعلمه الغزير جعلتاه واحداً من أبرز من جلسوا على كرسي المشيخة في عهد محمد علي باشا.
النشأة: من قويسنا إلى أروقة المجد
ولد الشيخ القويصني في بلدة "قويسنا" بمحافظة المنوفية. فقد بصره في سن مبكرة، لكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم، بل زاد من حدة ذكائه وقوة حافظته. قدم إلى القاهرة والتحق بالأزهر الشريف، حيث أذهل شيوخه بقدرته الفائقة على استيعاب المتون الفقهية واللغوية المعقدة من السماع فقط.
كان القويصني شافعي المذهب، وتتلمذ على يد كبار علماء العصر، ومنهم الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ حسن العطار، فتأثر بمنهج الأخير في الجمع بين العلم والعمل.
ملامح مشيخته: حارس التقاليد في عصر التغيير
تولى الشيخ القويصني المشيخة لمدة أربع سنوات تقريباً، تميزت بـ:
* الهيبة والوقار: كان للشيخ القويصني هيبة عظيمة في نفوس الطلاب والحكام على حد سواء. ويُذكر أن محمد علي باشا كان يكن له تقديراً خاصاً ويستشيره في الأمور الدينية والقضائية، نظراً لرجاحة عقله واستقامته.
* دقة الفتوى: اشتهر بكونه من أدق فقهاء الشافعية في عصره. كانت فتاواه مرجعاً للقضاة والمفتين، وكان يمتلك ملكة خاصة في استحضار النصوص الفقهية وكأن الكتب مفتوحة أمام عينيه.
* رعاية المكفوفين: بصفته كفيفاً، كان الشيخ القويصني يشعر بمعاناة الطلاب المكفوفين في الأزهر، فعمل على تحسين أوضاعهم بـ "رواق العميان"، وضمان حقوقهم في الجراية (الرواتب) والسكن، مما جعل عهده عصراً ذهبياً لهم.
آثاره العلمية
رغم عاهته التي تمنعه من الكتابة المباشرة، إلا أن تلاميذه دوّنوا عنه الكثير من التحقيقات والفوائد، ومن أبرز آثاره:
* حاشية على شرح "السلم" في المنطق: تُظهر تمكنه من العلوم العقلية.
* تقريرات فقهية هامة: في المذهب الشافعي، كانت تُدرس في الأزهر لسنوات طويلة بعد وفاته.
* سند عالٍ في القراءات والحديث: كان الطلاب يرحلون إليه لنيل "الإجازة" منه لقوة سنده واتصاله بكبار الأئمة.
وفاته ورحيله
انتقل الشيخ حسن القويصني إلى رحمة الله في عام 1254 هـ (1838 م). وبوفاته، فقد الأزهر عالماً جسّد معنى الإرادة والتحدي، حيث لم يمنعه كف البصر من أن يصبح "إمام الأئمة" ووجهة العلماء والطلاب من كل حدب وصوب.
ترك القويصني خلفه مدرسة من التلاميذ الذين حملوا لواء المذهب الشافعي، وبقي اسمه محفوراً في تاريخ المشيخة كنموذج للعالم الذي يرى بقلبه وعقله ما لا يراه المبصرون.

تعليقات
إرسال تعليق