كتب / شعبان الأزهري
في عالمٍ باتت فيه "العدسات" ترافق كل حركة، وأصبح فيه العطاء أحياناً مادةً للمحتوى الرقمي والاستعراض الاجتماعي، يبرز مفهوم "صدقة السر" كأحد أعظم أسرار القبول، وكأرقى تجليات الإخلاص. إنها العبادة التي تتم في المنطقة "صفر" من الضجيج، حيث لا يوجد شاهد إلا الله، ولا غاية إلا مرضاته. في رمضان، يتحول هذا الخفاء إلى معراجٍ روحي، يصل فيه العبد إلى مرتبة الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه".
1. فلسفة الخفاء: لماذا السر؟
ليست الحكمة من صدقة السر هي مجرد إخفاء المال عن الأعين، بل هي "حماية القلب" من داء العُجب والرياء. فالنفس البشرية تهوى المدح، والسر يقطع الطريق على "الأنا" لكيلا تقتات على نظرات الإعجاب من البشر.
* طهارة القصد: في السر، يتمحض العمل لله وحده؛ فأنت تعطي شخصاً قد لا يراك، ولجمهورٍ لا يعرفك، طمعاً في ثوابٍ لا يضيع.
* كرامة الفقير: صدقة السر هي "أدب" قبل أن تكون "مالاً"؛ فهي تحفظ للمحتاج كرامته، وتصون وجهه من ذل السؤال أو الشعور بالدونية أمام المعطي.
2. "ظل العرش": الجائزة الكبرى
حين ذكر النبي ﷺ السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، خصَّ منهم: «رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
هذه المبالغة النبوية في الخفاء (بين اليمين والشمال) تشير إلى أن صدقة السر هي "عبادة ذكية"؛ فهي تشتري الأمان يوم الفزع الأكبر بثمنٍ هو "الصمت والستر". إنها استثمار في الخفاء ليوم الظهور الأكبر.
3. صدقة السر في رمضان: مضاعفة النور
رمضان هو شهر "الخبايا"؛ فكما أن الصيام سرٌّ بينك وبين الله لا يطلع عليه أحد، فإن صدقة السر في نهار الصيام أو ليله هي تناغمٌ مع روحانية الشهر.
* إطفاء الخطيئة: يقول النبي ﷺ: «صدقة السر تطفئ غضب الرب». وفي شهر المغفرة، نحتاج إلى هذا "الإطفاء" لنغسل صحائفنا مما علق بها طوال العام.
* تطهير الصيام: الصدقة في رمضان تجبر ما قد يقع في الصيام من لغو أو رفث، وإخفاؤها يجعل هذا الجبر أتمّ وأكمل.
4. صور "السر" في العصر الحديث
قد يظن البعض أن صدقة السر صعبة في عصر الدفع الإلكتروني والتحويلات، لكن "السر" هو حال القلب لا شكل الوسيلة:
* التحويل المجهول: المساهمة في منصات الإحسان الموثوقة دون كتابة الاسم أو المفاخرة بالمبلغ.
* سداد الديون الخفية: الذهاب إلى بائع الخضار أو الصيدلية في حي بسيط، وسداد ديون العاجزين دون علمهم.
* سقيا الماء والكرتونة الصامتة: وضع الماء أو الطعام في أماكن يحتاجها الناس دون انتظار كلمة شكر.
5. الأثر النفسي على المتصدق
من جرب لذة "عطاء السر" يدرك أنها تمنح سكينة لا توفرها مئات التعليقات الإيجابية على وسائل التواصل. إنها تمنحك "سراً" خاصاً مع الله، تشعر معه بالأمان كلما ضاقت بك الدنيا، لأنك تعلم أن لك عند الله "خبيئة" لم يفسدها بصر بشر.
صدقة السر هي "بريد اليقين"؛ ترسلها من الأرض لتستلمها في السماء. وفي هذا الرمضان، اجعل لنفسك خبيئة من عمل صالح لا يعلمها زوج ولا ولد ولا صديق، لتكون لك نوراً في قبرك، وظلاً تحت عرش ربك.

تعليقات
إرسال تعليق