كتب / شعبان الأزهري
بعد رحيل الإمام محمد بن سالم الحفني، آلت مشيخة الأزهر الشريف إلى عالم جليل من أسرة عريقة في العلم والفضل، وهو الإمام عبد الرؤوف بن محمد بن عبد الرحمن السجيني، ليصبح الشيخ التاسع في تاريخ المشيخة. تولى المنصب في عام 1181 هـ (1767 م)، وكان يُلقب بـ "الجمال السجيني" تقديراً لجمال علمه وخلقه.
النشأة والتكوين: من "سجين الكوم" إلى قلب القاهرة
ولد الشيخ السجيني في قرية "سجين الكوم" بمحافظة الغربية عام 1154 هـ. نشأ في بيت علمي مرموق، فقد كان والده وجده من كبار العلماء، مما هيأ له بيئة خصبة للتحصيل العلمي منذ صباه. حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم في قريته، ثم انتقل إلى الأزهر الشريف ليتمم رحلته العلمية.
كان السجيني شافعي المذهب، وتتلمذ على يد قامات كبرى، أبرزهم الشيخ محمد بن سالم الحفني (الذي خلفه في المشيخة) والشيخ عبد الله الشبراوي. برع في علوم الفقه والحديث واللغة العربية، وصار من كبار المدرسين في الأزهر، حيث عُرفت حلقاته بالتدقيق والتحقيق.
ملامح مشيخته: قصيرة الأمد عظيمة الأثر
لم تطل مدة مشيخة الشيخ السجيني كثيراً، حيث توفي بعد نحو سنة وبضعة أشهر من توليه المنصب، ومع ذلك اتسمت فترته بـ:
* النزاهة والعدل: حرص الشيخ السجيني على إدارة شؤون الأزهر بحيادية تامة، واهتم بشؤون الطلاب والعلماء ومطالبهم، مستمراً على نهج أسلافه في صون هيبة المنصب.
* الورع والانقطاع للعلم: بالرغم من أعباء المشيخة، لم ينقطع عن التدريس وإفادة الطلاب، وظل متمسكاً بوقار العلماء وزهدهم، مبتعداً عن زخرف المناصب.
* التقدير الشعبي والرسمي: نال الشيخ احتراماً كبيراً من عامة الشعب ومن ولاة عصره، لصدقه وإخلاصه في نصيحة المسلمين.
آثاره العلمية
رغم انشغاله بالتدريس وقصر مدة مشيخته، ترك الشيخ السجيني بعض الآثار العلمية والحواشي التي تدل على تمكنه الفقهي، ومنها:
* شرح على "جمع الجوامع" في أصول الفقه.
* حواشي وتعليقات على كتب الشافعية: كانت تُتداول بين طلابه لسهولة أسلوبها ودقة استنباطها.
وفاته وإرثه
توفي الإمام عبد الرؤوف السجيني في عام 1182 هـ (1768 م)، ودُفن في مدفن عائلته بالقاهرة. ورغم قصر الفترة التي قضاها على رأس المؤسسة، إلا أنه حافظ على استقرار الأزهر في فترة انتقالية هامة، وسلم الأمانة لمن جاء بعده ببيضاء نقية.
يُذكر الشيخ السجيني في تاريخ الأزهر كنموذج للعالم الذي لم يطلب المنصب، بل سعى إليه المنصب تقديراً لعلمه وأمانته، فكان خير خلف لخير سلف.

تعليقات
إرسال تعليق