كتب - محمود الهندي
أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب كتاب «الأدب والجنون» للدكتور شاكر عبد الحميد، وذلك ضمن مشروع إصدار مؤلفاته الكاملة، في خطوة تعيد طرح واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ الفكر الإنساني: العلاقة بين الإبداع الفني والمرض العقلي .
يتناول الكتاب قضية طالما شغلت الباحثين والعلماء والفنانين، وانقسمت حولها الآراء بين مؤيد لوجود تلازم بين العبقرية والجنون، ورافض لهذا الربط. فقد ذهب بعض المفكرين، مثل جاك دريدا، إلى أن المواهب العظيمة قرينة الجنون، بينما اعتبر الطبيب الإيطالي تشيزاري لومبروزو أن العبقرية تعبير عن عقل مريض، وتحدث الطبيب الألماني إرنست كريتشمر عن العنصر المرضي المصاحب للمستويات المرتفعة من الموهبة. في المقابل، رفض عدد كبير من العلماء والفنانين هذا الطرح، مؤكدين أن الإبداع يقوم في جوهره على ملكة التنظيم والقدرة على إعادة تشكيل العالمين الداخلي والخارجي، وهي قدرات تتناقض مع تفكك التفكير واختلال الإدراك الملازمين لحالات الذهان .
ويقدم الكتاب عرضًا تاريخيًا مختصرًا لتطور مفهوم “الجنون” عبر العصور، ثم ينتقل إلى تحليل كيفية نشوء الربط بين الإبداع والاضطراب العقلي في أذهان المفكرين، خاصة من خلال مفاهيم الأحلام والهلاوس والخيال، التي شكلت أرضية مشتركة بين المجالين الأدبي والطبي. كما يتطرق إلى بعض الأساليب العلاجية القديمة التي استلهمت مظاهر ارتبطت بالإبداع، مثل الخيال والأحلام .
ويتوقف المؤلف عند عدد من الأعمال الأدبية الكبرى التي تجلت فيها صور الاضطراب النفسي، من بينها مسرحيتا «الملك لير» و«هملت» لـ ويليام شكسبير، ورواية «القرين» أو «المثل» لـ فيودور دوستويفسكي، إلى جانب بعض مسرحيات أوغست سترندبرغ، وأعمال أونوريه دي بلزاك وفرانز كافكا. ويركز التحليل على شخصية المبدع بقدر اهتمامه بالنص، مستفيدًا من مفاهيم الطب النفسي مثل الهلاوس والهذاءات واضطرابات اللغة والوجدان وتفكك الشعور بالواقع، لرصد كيفية توظيف الأدباء لهذه الظواهر فنيًا بعمق ونفاذ .
كما يشير الكتاب إلى أسماء أخرى مثل إدغار آلان بو وجيرار دو نرفال، متناولًا توظيف الجنون كأداة لاكتشاف أعماق الذات الإنسانية وكشف تناقضات المجتمع وصراعاته. ويرى المؤلف أن تصوير الاضطراب العقلي في الأدب لم يكن مجرد رصد لحالة مرضية، بل وسيلة فنية لفهم القلق الإنساني والتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية .
ويختتم الكتاب بتأكيد تفضيله لمصطلح “المرض النفسي” باعتباره أكثر شمولًا من “الجنون”، إذ يضم مختلف الاضطرابات الشديدة والخفيفة، مع تركيز خاص على الحالات التي بلغت حد الذهان، باعتبارها الأكثر حضورًا في الجدل حول العلاقة بين الإبداع والاختلال العقلي .
بهذا الإصدار، تعيد الهيئة فتح نقاش معرفي عميق حول حدود العبقرية ومساحات الاختلال، في عمل يجمع بين التحليل النفسي والرؤية النقدية للأدب العالمي .

تعليقات
إرسال تعليق