كتب / شعبان الأزهري
بعد رحيل الإمام عبد الرؤوف السجيني، شهد الأزهر الشريف صعود قامة علمية استثنائية لم تكتفِ بالتبحر في علوم الشريعة فحسب، بل كانت موسوعة تمشي على الأرض في العلوم الطبيعية والتطبيقية. إنه الإمام أحمد بن عبد المنعم بن صيام الدمنهوري، الشيخ العاشر للأزهر الشريف، الذي تولى المشيخة في عام 1182 هـ (1768 م).
النشأة: يتيم دمنهور الذي أبهر العالم
ولد الشيخ الدمنهوري في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة عام 1101 هـ. واجه في طفولته محنة اليتم، فقدم إلى القاهرة طفلاً وحيداً لا يعرف أحداً، لكنه كان يحمل في صدره عزيمة لا تلين. التحق بالأزهر الشريف، وبسرعة مذهلة صار حديث العلماء والطلاب بفضل ذكائه الموسوعي.
"المتفنّن": عالم المذاهب الأربعة والعلوم الحديثة
ما يميز الشيخ الدمنهوري عن غيره من شيوخ الأزهر في عصره هو لقب "المتفنّن"، وذلك لسببين مذهلين:
* المذاهب الأربعة: كان الشيخ الدمنهوري متبحراً في المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية)، وكان يفتي ويدرس بها جميعاً، وهو أمر نادر الحدوث في تاريخ الأزهر.
* العلوم الطبيعية: لم يقتصر علمه على الفقه والحديث، بل كان عالماً فذاً في الرياضيات، والفلك، والطب، والتشريح، والكيمياء، والجغرافيا، والجيولوجيا.
ملامح مشيخته: هيبة العلم واستقلال المؤسسة
تولى الدمنهوري المشيخة لمدة ثماني سنوات، تميزت بـ:
* قوة الشخصية: كان مهاباً من الأمراء والمماليك، ولا يخشى في الحق لومة لائم. ويُذكر أنه وقف بحزم أمام تجاوزات الحكام في وقته، معتمداً على مكانته العلمية المرموقة.
* النهضة العلمية الشاملة: شجع طلاب الأزهر على الانفتاح على العلوم العقلية، مؤكداً أن الإسلام لا يتعارض مع العلم والبحث التجريبي.
* المرجعية الدولية: ذاع صيته في أنحاء العالم الإسلامي، فكانت تأتيه الأسئلة من الحجاز والمغرب وبلاد الشام في مختلف الفنون والعلوم.
مؤلفاته: مكتبة كاملة في رجل
ترك الدمنهوري خلفه أكثر من 50 مؤلفاً في شتى المجالات، نذكر منها:
* في الكيمياء والمعادن: "إرشاد العطشان لمدار الأوان" (يتحدث عن الكيمياء وتنقيب المعادن).
* في الطب والتشريح: "القول الصريح في علم التشريح".
* في الفلك: "نهاية الإرشاد في معرفة الأوقات بالاستقبال والأرصاد".
* في الفقه: مؤلفات شرح فيها المذاهب الأربعة.
* في الجغرافيا: "الفيض المديد في أخبار النيل السعيد".
رحيل الإمام الموسوعي
انتقل الإمام أحمد الدمنهوري إلى رحمة الله في عام 1192 هـ (1778 م). رحل بجسده، لكنه ترك مدرسة فكرية تؤمن بأن العالم الأزهري يجب أن يكون مواكباً لعصرة، مطلعاً على علوم الكون بقدر اطلاعه على علوم الدين.
يُعد الشيخ الدمنهوري النموذج الأول للعالِم الذي مهد الطريق لاحقاً لعصر النهضة المصرية، حيث أثبت أن أروقة الأزهر قادرة على تخريج علماء في الطب والكيمياء جنباً إلى جنب مع أئمة الفقه والتفسير.

تعليقات
إرسال تعليق