القائمة الرئيسية

الصفحات

سبق المفردون: رحلة الصفاء في زمن الضجيج


سبق المفردون: رحلة الصفاء في زمن الضجيج

كتب /شعبان الأزهري 


​في عالمٍ يضجّ بالتسارع، وتتلاطم فيه أمواج الماديات والمشغولات، تبرق عبارة نبوية بليغة لترسم طريقاً مغايراً للنجاح الحقيقي. حين قال النبي ﷺ لأصحابه: "سبق المفردون"، لم يكن يتحدث عن سباقِ أقدامٍ أو تراكمِ أموال، بل كان يشير إلى سباقٍ من نوع خاص؛ سباق الأرواح نحو بارئها، والقلوب نحو طمأنينتها.


​من هم المفردون؟ 


​عندما سأل الصحابة الكرام بلهفة: "وما المفردون يا رسول الله؟"، جاء الجواب كاشفاً لجوهر الاستباق: "الذاكرون الله كثيراً والذاكرات".


​"المفرد" لغويًا هو المنقطع عن غيره، وفي هذا السياق، هو ذاك الشخص الذي استطاع أن "يفرد" قلبه لله وسط زحام الحياة. ليس المقصود هنا الاعتزال المادي أو الرهبانية، بل هو الاستقلال الشعوري؛ أي أن يكون المرء مع الناس بجسده، لكن قلبه معلّق بالملأ الأعلى.


​لماذا هم "السابقون"؟ 


​إنّ صفة "السبق" هنا ليست مجرد سرعة زمنية، بل هي علوّ في المرتبة ونجاة من الفتن، وذلك لأسباب عدة:


​خفة الحمل: الذاكر يعيش بقلبٍ مخفف من أثقال الهموم الدنيوية، فذكر الله يعمل كمصفاة تنقي الروح من شوائب القلق والتوتر. ​الحضور الذهني: في زمن "التشتت العظيم"، يمنح الذكرُ صاحبه قدرة عالية على التركيز والوعي، فلا تسرقه التفاهات ولا تغرقه الملهيات. ​اتصال المصدر: من ذكر الله ذكره الله، ومن كان الله معه، فمن عليه؟ هذا الاتصال يمنح "المفرد" قوة نفسية لا تهزها الأزمات. ​كيف نلحق بركب المفردين؟ 


​السبق متاح لكل من أراد، ولا يحتاج إلى تفرغ تام، بل إلى إحياء اللحظة:


​استثمار الأوقات البينية: تلك الدقائق الضائعة في المواصلات، أو أثناء الانتظار، هي الميدان الحقيقي لسبق المفردين. ​ذكر القلب قبل اللسان: أن تستشعر عظمة الخالق في تفاصيل يومك، فيكون عملك ذكراً، وصبرك ذكراً، ورضاك ذكراً. ​المجاهدة بالاستمرار: السر ليس في كثرة الذكر ليوم واحد، بل في "أدومه وإن قل". 


​"إنّ بيوت الذاكرين تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض."


​إنّ "سبق المفردين" دعوة مفتوحة لنا جميعاً لنعيد ترتيب أولوياتنا. ليس السبق لمن جمع أكثر، بل لمن ذكر أكثر، ولمن جعل لقلبه مأوىً آمناً في رحاب الله بعيداً عن ضجيج الأنا وصراعات الدنيا.


​في نهاية المطاف، كلنا سائرون، لكنّ المفردين هم من يصلون بقلوبٍ مطمئنة وأرواحٍ خفيفة.


تعليقات