كتب /شعبان الأزهري
في عالمٍ تحول بفعل التقنية إلى "قرية عالمية"، تلاشت المسافات الجغرافية وبقيت المسافات الفكرية والنفسية. وفي خضم الصراعات والاستقطابات الحادة، يبرز "الحوار مع الآخر" ليس كخيار دبلومسي فحسب، بل كضرورة شرعية وإنسانية، ومنهاج قرآني أصيل يهدف إلى تحويل "التصادم" إلى "تعارف".
الحوار كأصل قرآني
لم يترك الإسلام الحوار للمصادفة، بل جعله أصلاً من أصول التعامل مع المختلف. يقول الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)).
إن "التعارف" هنا يتجاوز مجرد معرفة الأسماء، إلى فهم الثقافات، وتبادل الأفكار، والبحث عن نقاط الالتقاء التي تضمن استقرار الكوكب.
ضوابط "المجادلة بالتي هي أحسن"
وضع القرآن الكريم "دستوراً" أخلاقياً للحوار، لا سيما مع المخالفين في العقيدة أو الرأي، ومن أهم ركائزه:
* الرفق في الخطاب: حتى في أصعب الحوارات (مع فرعون)، أمر الله موسى وهارون بقوله: ((فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا)). فالحوار يهدف إلى كسب القلوب لا كسر النفوس.
* البحث عن "الكلمة السواء": البدء بنقاط الاتفاق والمصالح المشتركة قبل الدخول في نقاط الخلاف.
* العدل والإنصاف: ألا يحملنا الاختلاف على الظلم، كما قال تعالى: ((وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا)).
أهداف الحوار مع الآخر
الحوار في الإسلام ليس وسيلة لـ "ذوبان الهوية"، بل هو وسيلة لتحقيق غايات كبرى:
* تصحيح المفاهيم: إزالة الصور النمطية والمشوهة عن الإسلام والمسلمين، وعرض الحقائق بوضوح وهدوء.
* التعاون على البر والتقوى: العمل المشترك لمواجهة التحديات العالمية كالأزمات البيئية، والظلم الاجتماعي، وانهيار القيم الأخلاقية.
* إقامة الحجة بالمنطق: استبدال لغة القوة بلغة الإقناع والعقل، فالدين لا يُكره أحداً عليه.
معوقات الحوار في العصر الحديث
رغم وفرة وسائل التواصل، يواجه الحوار المعاصر عقبات كبرى:
* الأحكام المسبقة: النظر إلى "الآخر" من خلال عدسة التوجس والشك.
* الاستعلاء الفكري: الاعتقاد بأن الطرف الآخر لا يملك أي حقيقة، وهو ما يغلق أبواب الاستماع.
* الخلط بين الحوار والتنازل: الخوف من أن الحوار يعني التخلي عن الثوابت، بينما الحوار القوي هو الذي ينطلق من هوية راسخة تحترم هوية الآخر.
دروس من السيرة النبوية
كان النبي ﷺ خير من حاور. جلس مع مشركي مكة، ووفد نصارى نجران، ويهود المدينة. كان يستمع أكثر مما يتكلم، يمنح محاوره الأمان، ولا يقاطع، ويستخدم لغة يحترمها العقل. لقد كان حواره يهدف دائماً إلى بناء "الإنسان" وحفظ السلم المجتمعي.
إن "الآخر" ليس بالضرورة عدواً يجب إقصاؤه، بل هو شريك في عمارة الأرض، أو منافس في ميدان الفكر، أو باحث عن الحقيقة يحتاج إلى من يأخذ بيده. إن الحوار الواعي هو الجسر الذي نعبر فوقه من ضيق الانغلاق إلى سعة الأفق الإسلامي، وهو الطريق الوحيد لنثبت للعالم أن الإسلام دين لا يخشى الحوار، بل يتنفس به.

تعليقات
إرسال تعليق