أدب الاختلاف وفن التواصل: مهارات التفاوض من وحي السيرة النبوية
كتب/شعبان الأزهري
في عالم الأعمال والعلاقات الاجتماعية اليوم، تُدفع مبالغ طائلة لتعلم "مهارات التفاوض" وفن "إدارة النزاعات". لكن المتأمل في السيرة النبوية يجد أن النبي ﷺ قد وضع الأسس العميقة لهذه الفنون قبل قرون، محولاً الاختلاف من عائق إلى فرصة لبناء جسور الثقة.
1. الذكاء العاطفي النبوي: استيعاب الطرف الآخر
أولى قواعد التفاوض الحديثة هي "فهم دوافع الطرف الآخر". في قصة عتبة بن ربيعة حين جاء يفاوض النبي ﷺ ليتخلى عن دعوته، لم يقاطعه النبي ﷺ رغم أن كلامه كان مرفوضاً، بل استمع إليه حتى النهاية وقال له بأدب رفيع: "أفرغت يا أبا الوليد؟".
* الدرس الإداري: الإنصات الكامل هو أقوى أداة تفاوضية؛ فهو يمتص غضب الطرف الآخر ويجعله أكثر استعداداً لسماعك.
2. إستراتيجية "الكل رابح"
في صلح الحديبية، قدم النبي ﷺ نموذجاً إعجازياً في التفاوض الإستراتيجي. وافق على شروط ظاهرها "الخسارة" (مثل العودة هذا العام، وكتابة باسمك اللهم بدلاً من بسم الله الرحمن الرحيم)، لكنه كان ينظر إلى "الهدف الأسمى" وهو الاعتراف السياسي بدولة الإسلام وتفرغه للدعوة.
* الدرس الإداري: التفاوض الناجح ليس في الانتصار في كل التفاصيل الصغيرة، بل في كسب المعركة الكبرى وتحقيق الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى.
3. فن "تفكيك النزاع": حادثة وضع الحجر الأسود
عندما اختلف سادات قريش وكادت تشتعل حرب بينهم حول من يضع الحجر الأسود، لم يقدم النبي ﷺ حلاً يقصي أحداً، بل ابتكره بوضع الحجر في ثوب وأمر كل قبيلة أن تمسك بطرف منه.
* مهارة التواصل: تحويل الصراع من "أنا ضدك" إلى "نحن ضد المشكلة". لقد جعل الجميع يشعر بـ "الملكية"للقرار، وهذا هو جوهر العمل الجماعي الناجح.
4. أدب الاختلاف: فصل الذات عن الرأي
كان الصحابة يختلفون مع النبي ﷺ في الرأي "الدنيوي"، وكان ﷺ يتقبل ذلك برحابة صدر. في غزوة بدر، سأل الحباب بن المنذر: "أهذا منزل أنزلكه الله أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟"، فلما أخبره أنه الرأي، اقترح مكاناً أفضل، فاستجاب له النبي ﷺ فوراً.
5. مهارة "الكلمة الطيبة" في الإقناع
التفاوض ليس مجرد أرقام، بل هو "نبرة صوت" و"اختيار كلمات". النبي ﷺ كان يستخدم الكلمة التي تفتح القلوب قبل العقول، تطبيقاً لقوله تعالى: "وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ".
إن مهارات التفاوض في السيرة النبوية لا تقوم على الخداع أو "ليّ الذراع"، بل تقوم على الكرامة، العدل، والوضوح. الاختلاف سنة كونية، لكن "أدب الاختلاف" هو مهارة نبوية تجعل من كل نقاش خطوة نحو النجاح المشترك.

تعليقات
إرسال تعليق