كتب/ شعبان الأزهري
بعد وفاة الإمام الأديب عبد الله الشبراوي، آلت مشيخة الأزهر الشريف إلى قامة علمية وروحية سامقة، وهو الإمام محمد بن سالم الحفني (أو الحفناوي)، ليصبح الشيخ الثامن في تاريخ المنصب. تولى المشيخة في عام 1171 هـ (1758 م)، ويعد عهده نقطة تحول في تاريخ الأزهر من حيث الجمع بين عمق الفقه ونشر التربية السلوكية (التصوف السني).
النشأة والرحلة: من "حفنة" إلى قمة الهرم الأزهري
ولد الشيخ الحفني في قرية "حفنة" التابعة لمركز بلبيس بمحافظة الشرقية عام 1100 هـ (1688 م). نشأ في بيئة ريفية محبة للعلم، وحفظ القرآن الكريم ثم قدم إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف.
كان الحفني شافعي المذهب، وتتلمذ على يد كبار علماء عصره، ومن أبرزهم الشيخ عبد الله الشبراوي (سلفه في المشيخة) والشيخ محمد البديري. تميز بمواظبته الشديدة على التحصيل، حتى صار مرجعاً في الفقه والحديث واللغة العربية، وعُرف بلقب "نجم الدين" لمكانته العلمية الرفيعة.
ملامح مشيخته: العصر الذهبي للتربية والتعليم
استمرت مشيخة الشيخ الحفني نحو عشر سنوات، اتسمت بملامح جعلت منه شخصية استثنائية:
* رائد التربية الروحية: لم يكن الحفني مجرد فقيه، بل كان شيخاً للطريقة "الخلوتية" في مصر، واستطاع بفضل حكمته أن ينشر الروحانية والزهد بين طلاب العلم، مما جعل الأزهر في عهده مكاناً للتزكية النفسية بقدر ما هو مكان لتحصيل العلوم.
* النفوذ والمكانة الاجتماعية: تمتع الشيخ بهيبة منقطعة النظير، فكان مسموع الكلمة لدى الأمراء المماليك والولاة العثمانيين. استثمر هذه المكانة في قضاء حوائج الناس، ورفع المظالم عن الفلاحين والفقراء، حتى قيل إنه لم يطلب شيئاً من الحكام إلا وأُجيب إليه.
* البر والإحسان: عُرف بكثرة صدقاته وبنائه للمساجد والزوايا، وكان بيته مأوى للغرباء وطلاب العلم الوافدين، حيث كان ينفق عليهم من ماله الخاص ومن الأوقاف التي تحت نظارته.
مؤلفاته وأثره العلمي
ترك الشيخ الحفني ثروة من الشروح والحواشي التي تدل على غزارة علمه، منها:
* حاشية على شرح الأشموني: في علم النحو.
* شرح الجامع الصغير للسيوطي: في علم الحديث.
* رسائل في التصوف والسلوك: هدفت إلى تهذيب الأخلاق ونشر قيم التسامح.
* حواشي فقهية على المذهب الشافعي: تُعد مرجعاً هاماً لطلاب الفقه.
وفاته وإرثه الخالد
توفي الإمام محمد بن سالم الحفني في عام 1181 هـ (1767 م). وقد كان لوفاته أثر عميق في نفوس المصريين، حيث شُيعت جنازته في موكب مهيب يليق بمقامه كـ "ولي وعالم وقائد".
بقي إرث الشيخ الحفني حياً من خلال تلاميذه الذين انتشروا في أنحاء العالم الإسلامي، ومن خلال منهجه الذي يرى أن العلم بلا خلق لا قيمة له، وأن العالم الحقيقي هو من يسخر علمه ومكانته لخدمة الخلق والتقرب إلى الخالق.

تعليقات
إرسال تعليق