مصر واللعبة الكبرى: بين الخليج وإيران.. هل تنجح القاهرة في إعادة رسم تحالفات المنطقة؟
بقلم: مختار أبوالخير
في مشهدٍ أثار تساؤلاتٍ عديدة، غاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن قمة الخليج التي استضافت الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ليتصاعد الجدل حول طبيعة العلاقات المصرية-الخليجية، وإمكانية أن يكون "الخليج قد راهن على واشنطن على حساب القاهرة". لكن الأحداث التي تلت ذلك كشفت عن تحركات دبلوماسية معقدة، قد تعيد تشكيل خريطة التحالفات في المنطقة.
مفاجأة القاهرة: استقبال وزير الخارجية الإيراني بحفاوة غير مسبوقة
قبل أيامٍ قليلة من انعقاد القمة، زار وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، العاصمة المصرية في زيارة نادرة، لُقيت بحفاوة رسمية وإعلامية لافتة. تجوّل الضيف الإيراني في خان الخليلي، وزار مسجد السيدة زينب، بينما تحدث الطرفان عن "فتح صفحة جديدة" في العلاقات الثنائية.
الزيارة أثارت موجةً من التساؤلات: هل ترد مصر على غيابها عن قمة الخليج بالتقارب مع طهران؟ أم أن اللعبة أكبر من ذلك؟
رسائل متضاربة.. وزيارة مفاجئة لأبوظبي
في منعطفٍ آخر، زار الرئيس السيسي الإمارات العربية المتحدة فجأةً في زيارة قصيرة لكنها مكثفة، ليقابل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. الاستقبال كان حميمياً ورسمياً في آنٍ واحد، مما أطفأ شائعات التوتر بين البلدين. بل الأكثر إثارةً، أن سلطان عمان هيثم بن طارق اتصل بالسيسي فور عودته إلى القاهرة، في إشارةٍ إلى أن الملفات المطروحة كانت ذات طابع إقليمي حساس.
الورقة الأمريكية: واشنطن تفتح صفحةً خاصةً مع مصر
رغم التكهنات، فإن الولايات المتحدة لم تتجاهل مصر بعد قمة الخليج، بل على العكس، بدا أنها تعمل على تعزيز العلاقات الثنائية بعيداً عن الضجيج الإقليمي. فقد شهدت الفترة نفسها:
- زيارة "مسعد بولس"، مستشار ترامب، إلى القاهرة.
- عقد منتدى الاستثمار المصري-الأمريكي، والحديث عن إنشاء منطقة صناعية أمريكية بمحور قناة السويس.
- فتح خط اتصال دائم بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي والمبعوث الأمريكي ستيفن ويتكوف.
كل هذه التحركات تشير إلى أن واشنطن تتعامل مع مصر كشريكٍ استراتيجي مستقل، وليس مجرد تابعٍ للمحور الخليجي.
الدور المصري الخفي: هل تكون القاهرة وسيطاً في الملف النووي؟
منذ عقود، تتبنى مصر رؤيةً ثابتةً تجاه إيران: رفض إسقاط النظام فيها، لأن الفوضى الإيرانية قد تعني تصدير الإرهاب إلى الخليج، ومنه إلى مصر. وقد كشفت وثائق ويكيليكس عام 2010 أن القاهرة حذرت واشنطن من ضرب إيران عسكرياً، مؤكدةً أن ذلك سيؤدي إلى تفكك المنطقة.
اليوم، يبدو أن مصر تعيد طرح نفسها كوسيطٍ محوري في الملف النووي الإيراني، لكن بشرطٍ جديد: **ربط الملف الإيراني بالإسرائيلي**. ففي مؤتمرات نزع السلاح النووي في تسعينيات القرن الماضي، كانت مصر من أبرز الداعين إلى "شرق أوسط خالي من الأسلحة النووية"، مع التركيز على الضغط على إسرائيل.
الزيارة الإيرانية.. أكثر من مجرد دبلوماسية عابرة
وفق مصادر مطلعة، فإن زيارة عبد اللهيان لم تكن روتينية، بل حملت معها:
- **رسالة سرية** من المرشد الإيراني علي خامنئي إلى القاهرة.
- موافقة طهران على مطالب مصرية تتعلق بالأمن الإقليمي.
- اجتماعات مع ثلاثة وزراء خارجية مصريين سابقين (عمرو موسى، محمد العرابي، نبيل فهمي)، في إشارةٍ إلى أن الملف يتجاوز الحكومة الحالية.
واللافت أن مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، كان في القاهرة خلال الزيارة نفسها! ثم أعلنت إيران بعد يومين ضرورة ربط النووي الإيراني بحظر الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. هل هذه مصادفات؟ بالطبع لا.
زيارة السيسي للإمارات.. وسلطان عمان: ما الرسالة؟
بعد الزيارة الإيرانية مباشرة، توجه السيسي إلى أبوظبي، حيث ناقش على الأرجح الرؤية المصرية تجاه إيران والملف النووي. وبعد عودته، تلقى اتصالاً من سلطان عمان، المعروف بدوره كوسيطٍ بين طهران وواشنطن. هل أصبحت مصر الآن الطرف الذي ينسق بين الأقطاب الإقليمية؟
الخلاصة: مصر لا تنحاز.. بل تنسق
السؤال الأهم: هل تخون مصر الخليج لصالح إيران؟ الإجابة قطعاً **لا**، لأن أمن الخليج جزءٌ من الأمن القومي المصري. لكن في الوقت نفسه، ترفض القاهرة أن تُحسب على أي محور، سواء كان إيرانياً أو أمريكياً أو خليجياً.
الاستراتيجية المصرية تعتمد على المرونة: الحفاظ على العلاقات مع واشنطن، وتعزيز الشراكة مع أبوظبي، وفتح قنوات اتصال مع طهران، وطرح مبادراتٍ تربط بين الملف النووي الإيراني والإسرائيلي.
فهل تنجح مصر في أن تصبح العقل الاستراتيجي للمنطقة؟
الجواب سيحدده ما إذا كانت القاهرة قادرةً على تحويل ورقة الضغط النووية إلى واقعٍ يُجبر إسرائيل على طاولة المفاوضات، ويُعيد رسم تحالفات الشرق الأوسط بعيداً عن الهيمنة الأمريكية أو الإيرانية.
المشهد يتشكل الآن.. والقاهرة في قلب اللعبة.

تعليقات
إرسال تعليق